تحتل الثقافة موقعها الرائد في ساحة العمل الوطني كقوة ناعمة شديدة التأثير على التوجهات الفكرية لمختلف الدوائر المتميزة في الدولة. كما تبوأت مكانتها في صفوف النخبة السياسية والأدبية والأكاديميين في الأوساط الجامعية أو في المستويات الشعبية أيضا. وكلها تمثل رأي عام داخلي يعتد به في تقدير سياسة الدولة. علاوة على تحقيق هدف التجاوب الشعبي الواسع مع الجهود الحكومية لتحقيق التنمية.
تنبع قوة الثقافة في الدولة من قدرتها على تحقيق الانسجام بين مجالات الإبداع الأدبية والفنية والابتكارات العلمية. وفي توسيع دائرة تجسيد التكامل بين ألوان المعرفة وتنوع مصادرها ووضعها في خدمة تحقيق أهداف الارتقاء بالمستوى الفكري. علاوة على تطوير الوعي الاجتماعي وتحصين نفوس النشء من تأثيرات ظاهرة الاغتراب الفكري ومحاولات الاستلاب اللغوي ومؤامرات التبعية الثقافية؛ لحماية الأصالة والهوية الوطنية دون نكران فضائل التعدد اللغوي في حركة الترجمة وفي نقل العلوم الحديثة لتحقيق التقارب الحضاري بين الشعوب.
وتثير موجة التغيير والإصلاح التي تشهدها المنطقة العربية التأمل في طبيعة دور الثقافة في صناعة التغيير. كما تدفع الحركية الاجتماعية التي أوجدتها الظروف المضطربة إلى التساؤل عن مدى ما يتحلى به المثقف حاليًا من وعي كاف لإدراك عمق المطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية. لأن الكثير ينظر إليه من خلال الفرصة المتاحة له لقيادة مسار الإصلاح والتغيير بكل نزاهة. لأن طموحه لا يرقى إلى تولي سدة الحكم أو التواجد الفعلي والمؤثر في إحدى أدوات وأجهزة السلطة. وإنما أخلقة الحياة السياسية ودمقرطة المجتمع وتكريس مبدأ المواطنة الحقة.
والمثقف يستطيع بملكته الفكرية ورؤاه المعرفية أن يتعرض لمهمة تغيير الأوضاع واستشراف أحداث المستقبل. إنه يسلك رواق فكري يمتاز باتساع الخيال والقدرة على الاستقراء المنهجي وعلى الرؤية العلمية العميقة لواقع الظواهر. علاوة على الكشف عن الأسباب والتعبير عن الطموحات من أجل خير مجتمعه ورقي الأجيال.
وهي مهمة ليست باليسيرة في محيط حمل مؤشرات المساحة المنكمشة المتاحة أمام المثقف بعد معاناته لفترة غير قصيرة. من فخ الوجه الآخر من الثقافة الذي صنعه زمن الهيمنة الإيديولوجية. التي سعت إلى فصل الثقافة عن إطارها السياسي والاجتماعي عبر الفصل التعسفي بين حرية الفرد وحرية المجتمع وهو المنزلق الثقافي الذي ما زالت التحذيرات منه جارية.
الثقافة في المجتمعات العربية
الواقع حاليًا هو أن الثقافة في المجتمعات العربية توجد داخل السياسة أي أن السياسة تحتويها وتوجهها. وأن الثقافة بكل تجلياتها المعرفية والعقائدية وكل ألوان العلوم والفنون والقيم الأخلاقية والتقاليد والقوانين. والمقومات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوًا فاعلًا في مجتمعه. كلها توجد في صلب اهتمامات السياسة وليست السياسة جزءًا منها يعكس ثقافة المجتمع.
ومع ذلك فالأمل والتفاؤل قائمًا أن يلعب السياسي يومًا دورًا هامًا في تأمين الثقافة الحرة بعيدًا عن أي وصاية. بمعنى أن تتاح الفرصة أمام المثقفين المستقلين للمساهمة في التغيير وفي رأب الصدع بين المثقف والسياسي. والمساهمة بالتالي في صناعة التاريخ ومنه تثبت فرضية ضرورة الاستماع إلى صوت الثقافة أكثر من صوت السياسة. وأهمية تقدير دور الثقافي في توعية السياسي.
ففي خلال القرن 19 كانت الثقافة هي الأساس التي شيدت عليه الثورة الصناعية والاجتماعية والنهضة الفكرية في أوروبا. وعليها برزت مبررات التمكين لثقافة التنافس على خلفية سيطرة المبدأ الشهير البقاء للأصلح بين الأفكار والمنتوجات .
وأصبح امتلاك وتصنيع تكنولوجيات الإعلام والاتصال من علامات التقدم والرقي في أي دولة، ودخلت الانسانية عصر الثورة المعرفية باستخدام الحاسوب الآلي والانترنيت فظهرت بناء على ذلك الثقافة الإلكترونية التي اتسمت بالتنوع والشمولية وأكسبت مطالعيها دوائر معارف دائمة وموثوقة وفورية وواسعة؛ إلا أن ثمة ما أحاط واقع الثقافة الإلكترونية من إشكاليات تتعلق بقابليتها للانتشار الشعبي الواسع نظرًا لطبيعة وأسعار التجهيزات المطلوبة التي تفوق الإمكانيات المالية للشباب صغير السن.
منافسة الثقافة الورقية وملامح الصراع مع الثقافة الإلكترونية
ومع ذلك، نافست بقوة وجود الثقافة الورقية وبرزت ملامح الصراع مع الثقافة الإلكترونية، وظلت الثقافة الورقية تمثل الواقعية بكل أبعادها ومنها ما أفضى إليه تقدم العلوم من تقسيمات: “ثقافة المجتمع، ثقافة المجتمع الصناعي المرتبطة بشدة بمعايير الانتاج واقتصاد الزمن، ثقافة المجتمع الريفي التي تكره التجريب وتميل للقدرية وترتاح إلى المراوحة، وثقافة المجتمعات الاستهلاكية التي تنظر للكم وليس للكيف وتعتبر أذواق المستهلكين مجرد مقولة ثقافية”، وعليه نلاحظ جيدًا كيف أن الاختلاف الثقافي عندما نشأ قد أسفر عن منهج علمي يعلله وأفضى إلى علم الاجتماع. إلا أنه ظل مصطلح قابل للتمدد وغير مسيطر عليه فهناك: “ثقافة النخبة، ثقافة العامة، ثقافة السوق، ثقافة السلطة، وثقافة التسامح”..
ولما ارتبط ظهور المصطلح تاريخيًا بالاستعمار الذي امتد إلى الأراضي العذراء وشعوب الغابات والأدغال قد أبانت الظروف الثقافة المتحضرة للرجل الأبيض والثقافة المتوحشة البربرية التي تلازم الشعوب المتخلفة. وبما أن كل تعميم تجهيل فإن مصطلح الاختلاف الثقافي لا يشير إلى المعرفة والتحديد بقدر ما يخطئ المعرفة الواضحة والتحديد الموضوعي، وهو مصطلح يحتل مكانًا في اللغة النظرية المسيطرة فيشرح حضور الديمقراطية مثلًا في مجتمع وغيابها في آخر.
ويفسر قبول التطرف لدى جماعة ونبذه لدى جماعة أخرى وبه يسوغ استعمال القوة من طرف ضد غيره، والاختلاف الثقافي بهذا المعنى يعتبر مدخلُا عقلانيُا لمعالجة ظواهر كونية متعددة على اعتبار أن الثقافة في ذاتها معيار كامل تقاس به حياة الشعوب. وقد تنتسب الثقافة إلى الأديان والمذاهب؛ مثل: “الثقافة الإسلامية، والثقافة المسيحية والثقافة اليهودية والثقافة البوذية والثقافة الشيوعية، والثقافة الرأسمالية”.
فالاختلاف الثقافي إذًا ظاهرة أقرب إلى البداهة فلا وجود لجماعة متطورة أو محدودة التطور إلا ولها ثقافة مشتقة من تاريخها وجغرافيتها ومعتقداتها. وثقافتها قد تقبل التطور أو تميل إلى المحافظة، وهي تتحدد بعوامل خارجية تصوغها مثل الاقتصاد والسياسة .
كما ظلت الثقافة الجماهيرية زمنًا سبيلًا لوصول الثقافة إلى الشعب باعتبارها حق لكل مواطن، لكن حدث ما يعد عبرة لمن يعتبر. بعدما تحولت مهمة نشر الثقافة إلى ما يسمى “قصور الثقافة” .
فالقصر لا ينتقل إلى الناس أما قنوات القصور أثبتت الأيام والتجارب أنها رغم كثرة العاملين فيها. بينما الثقافة تفعل ذلك، ومفهوم الثقافة الجماهيرية يسير في اتجاه تحقيق الهدف لأن له توجه محدد وسياسة واضحة. وهذا الدرس يكشف كيفية حصار الثقافة وتحجيم دورها بمجرد إجراء إداري يضيع فعاليتها ويفقدها تأثيرها.
المثقف في زمن العولمة
التغيرات الكبيرة في عالمنا المعاصر تضع المثقف أمام تحديات الفرز بعدما تكاثفت المفاهيم واختلفت التعريفات. التي تتعلق بتحديد مفهوم الثقافة وطبيعة دور المثقف. فالمثقف أصبح في مواجهة إشكالات التغيير المستمر وشكليات الاستمرار المتغير في زمن العولمة.
والحقيقة أنه لا يوجد عصر إلا وتأكد الفعل الثقافي لدى النخبة التي تتميز عادة عن محيطها بالمزيد من التأمل الثائر والعميق في المعطي الثقافي الممزوج بالوعي الكافي لتقدير حجم المشاكل السياسية وتقييم مخاطر التحديات الاقتصادية وإدراك طبيعة القضايا الاجتماعية.
ولم يكن المثقف منفصلًا عن واقعه أو مسافرًا بأحلامه إلى عالمه الخاص؛ بل كان ناطقًا بطموحات شعبه ويعيش لواقعه وللتغيير الاجتماعي. وحري به ألا يعيش منعزلًا عما حوله من العوالم الرقمية في زمن أصبحت تكنولوجيا المعلومات أهم أدوات صناعة الثقافة. علاوة على ذلك عليه مواجهة إملاءات العولمة باستنفار خياله الخلاق لخدمة الحياة والتعامل بوعي مع معطيات الواقع المتجددة والمتغيرة ليخرج على الناس مؤسسًا لمعرفة جديدة. وتحارب الجهل وتعيد صياغة المفاهيم والرؤى بما يساهم في تغيير أنماط التفكير ويعالج مظاهر الاختلال الاجتماعي والثقافي.

















