قصة وعبرة.. حين تصنع الفكرة تحولًا في مجرى حياة الإنسان

كيف حين تصنع الفكرة تحولًا في مجرى حياة الإنسان؟ قيل عن أحد الملوك القدماء أنه كان شديد السمينة كثير الشحم واللحم، ويعاني كثيرًا من زيادة الوزن. فاجتمع الحكماء بغية إيجاد حلٍ لمشكلته العويصة التي أضمرت من هيبته الكثير.
لكنهم وللأسف لم يتمكنوا من إنقاص وزنه بكل الطرق فأتاهم رجل عاقل حكيم قال له الملك: “عالجني. ولك الغنى”. فرد عليه: “أصلح الله الملك أنا طبيب منجم، دعني حتى أنظر الليلة في طالعك فأرى أي دواء يوافقه”.
فلما استيقظ صباحًا طلب من الملك الأمان، فلما أمنه قال: «رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد، فإن اخترتَ عالجتك. وإن أردت التأكد من صدق كلامي فاحبسني عندك، فإن كان لقولي حقيقة فاخلِ سبيلي، وإلا فاسجني أو اقتلني؛ فحبسه.
ثم اختبأ الملك عن الناس و انفرد بنفسه كئيبًا حزينًا، وكلما مضت الأيام ازداد همًا وغمًا إلى أن هزل وخف لحمه وذاب شحمه. ومضى لذلك 28 يوما، فخرج للطبيب وقال ما ترى؟، فقال الطبيب: «أعز الله الملك، أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب والله إنّي لا أعلم عمري. فكيف أعلم عمرك ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم.  فلم أقدر أن أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة، فإنّ الغم يذيب الشحم”.
فجازاه الملك على ذلك، وأحسن إليه، وذاق الملك حلاوة الفرح بعد مرارة الغم؛ لتصبح حيلة الحكيم العلاج الفعال لسمنة الملك.

معالجة ما تعجز عنه الأدوية

تقدم هذه القصة صورة رمزية لطبيعة النفس البشرية، وكيف يمكن للحالة النفسية أن تؤثر في الجسد أكثر مما تؤثر فيه الأدوية أحيانًا. فالحكيم في القصة لم يلجأ إلى دواء أو وصفة تقليدية؛ بل استخدم فهمه العميق لطبيعة الإنسان. مدركًا أن التغيير الحقيقي لا يحدث دائمًا عبر الوسائل المباشرة.
بل قد يحتاج أحيانًا إلى صدمة فكرية أو شعورية تدفع الإنسان إلى إعادة النظر في حياته. عندما أخبر الملك بأن عمره لم يبق منه إلا شهر واحد، تغير شعوره بالكامل. تحوّل اهتمامه من الطعام والترف إلى التفكير في مصيره ونهاية حياته، فدخل في حالة من القلق والحزن جعلته يفقد شهيته تدريجيًا.
ومع مرور الأيام، أخذ جسده يتغير تبعًا لتغير حالته النفسية، حتى ذاب شحمه وخف وزنه. وهنا تتجلى المفارقة أنه لم يكن الدواء في الحقيقة دواءً جسديًا؛ بل كان تغييرًا في نفسيته التي عاشها الملك خلال تلك الفترة.

حين تغيّر الفكرة مسار الحياة

ورغم دهاء الحيلة، واستخدام الحكيم الخداع لحقق غاية يراها نافعة. إلا أن الناس قد يختلفون في تقييم هذا التصرف؛ البعض قد يراه حكمة، بينما قد يراه آخرون مخاطرةً كبيرة. غير أن الهدف المراد الوصول إليه كان إنقاذ الملك من مشكلة لم يستطع أحد حلها.
فالإنسان كثيرًا ما يغفل عن صحته أو توازنه ما دام يعيش في الراحة والطمأنينة، لكنه ينصدم بشعور التهديد الحقيقي عند شروعه في إعادة ترتيب أولوياته. ففكرة اقتراب النهاية التي سيطرت على الملك جعلته يعيد النظر في أسلوب حياته، ولو لفترة قصيرة.
إن النفس والجسد مرتبطان بالضرورة ارتباطًا وثيقًا، والحالة النفسية قد تؤثر في صحة الإنسان وسلوكه بطرق كبيرة، والتغيير أحيانًا يحتاج إلى دافع قوي يجعل الإنسان يراجع عاداته التي اعتاد عليها.
وكثير ما يبحث الفرد عن حلول معقدة لمشكلاته، بينما يكون التغيير الحقيقي في طريقة تفكيره أو في نظرته إلى حياته. فإذا تغيرت النفس، تبعها الجسد وتغيرت العادات.
الرابط المختصر :