قبعة شمسية رومانية عمرها 1600 عام تكشف أسرارًا عن الحياة في مصر القديمة

قبل أكثر من قرن، عثر في صحراء مصر على قطعة نسيجية غامضة نجت من الزمن بصورة لافتة، لتتحول بعد أكثر من ألف وخمسمئة عام إلى مصدر اهتمام للباحثين والخبراء. إنها قبعة شمسية رومانية مصنوعة من الصوف الملبد، اكتشفت في منطقة اللاهون بمحافظة الفيوم، ولا تزال حتى اليوم واحدة من أندر القطع المعروفة من هذا النوع.

ورغم بساطة تصميمها الظاهري، تحمل القبعة في تفاصيلها قصة تتقاطع فيها الحياة اليومية مع التاريخ والحرف اليدوية. وتكشف جانبًا من الحياة في مصر خلال أواخر العصر الروماني وبدايات العصر القبطي.

اكتشاف يعود إلى عام 1911

اكتشف عالم المصريات البريطاني الشهير السير فلندرز بيتري القبعة عام 1911 في موقع اللاهون بالفيوم. وبعد ذلك، تبرع بها لمتحف تشادويك في بولتون، المعروف حاليًا باسم متحف بولتون في بريطانيا، حيث ظلت محفوظة ضمن مجموعته من القطع الأثرية والنسيجية.

سير وليام ماثيو فلندرز پتري 1853–1942 عالم مصريات إنجليزي ورائد منهاج منظم في علم الآثار

وتكتسب القبعة أهميتها من ندرتها، إذ لا يعرف سوى عدد قليل جدًا من القطع المماثلة التي تعود إلى أواخر العصر الروماني في مصر، فيما تعد هذه القطعة من أفضل الأمثلة حفظًا.

Four people stand behind a table displaying a Roman sun hat.

قبعة صممت لتواجه شمس الصحراء

تتميز القبعة بتصميم مخروطي، وتتكون من أربعة أجزاء من الصوف الملبد جرى تجميعها وخياطتها حول زر مركزي. ويبلغ قطرها نحو 15.5 بوصة.

أما تصميمها الداخلي والخارجي، فيكشف عن عناية واضحة بالتفاصيل؛ إذ تتكون قاعدتها من اللباد البني، وتحيط بها حافة حمراء عريضة. إلى جانب ألوان خضراء وزرقاء، وبطانة داخلية من اللباد الأبيض. كما زينت بعض أجزائها بغرز دقيقة على شكل زخارف صغيرة.

ولا تكمن أهمية هذه التفاصيل في جمالها فقط، وإنما في ما يمكن أن تقوله عن مستوى المهارة التي امتلكها صانعو المنسوجات في ذلك العصر.

من ارتدى هذه القبعة؟

لا يملك الباحثون إجابة قاطعة عن هوية الشخص الذي ارتدى القبعة، لكن تصميمها يشير إلى احتمال ارتباطها بجندي روماني كان متمركزًا في مصر.

فشكلها يشبه نماذج كانت معروفة خلال القرن الثالث الميلادي، فيما يحتمل أن تكون قد خضعت لتعديلات محلية تتناسب مع البيئة المصرية القاسية. بما فيها الحرارة الشديدة وأشعة الشمس ورياح الصحراء.

A 2,000-Year-Old Sun Hat Worn by a Roman Soldier in Egypt Goes on View After a Century in Storage

يرتبط تاريخ القبعة بمرحلة شهدت تحولات كبيرة في مصر والعالم الروماني. فقد ظهرت خلال فترة الانتقال من العصر الروماني إلى العصر المسيحي المبكر، أو ما يعرف بالعصر القبطي.

وكانت هذه الفترة حافلة بالتغيرات السياسية والدينية والثقافية، وهو ما انعكس أيضًا على الفنون والحرف، ومن بينها صناعة النسيج.

وتشتهر المنسوجات القبطية التي عثر عليها في مصر بألوانها الزاهية وزخارفها المتنوعة التي جمعت أحيانًا بين عناصر مصرية ورومانية ومسيحية. في انعكاس واضح لتداخل الثقافات التي شكلت المجتمع آنذاك.

ترميم أعاد القطعة إلى الحياة

رغم بقائها لقرون طويلة، لم تكن القبعة بمنأى عن التلف، فقد تعرض اللباد لأضرار، من بينها آثار العث. ما جعل الحفاظ عليها مهمة دقيقة تتطلب تدخلًا متخصصًا.

وفي أغسطس/آب 2025، عرضت القبعة أمام الجمهور للمرة الأولى بعد عملية ترميم دقيقة. وعملت أخصائية ترميم المنسوجات جاكي هايمان على تدعيم أجزائها الهشة، باستخدام قماش مصبوغ يدويًا للمساعدة على استعادة ثبات هيكلها والحفاظ على شكلها.

ولم يكن الهدف من الترميم إعادة القطعة إلى مظهر جديد، وإنما الحفاظ على آثار الزمن فيها مع ضمان بقائها للأجيال القادمة.

'Remarkable' ancient sun hat, possibly worn by Roman soldier, unveiled for first time

ماذا يمكن أن تخبرنا؟

ربما لا تبدو القبعة للوهلة الأولى أكثر من قطعة ملابس قديمة، لكنها بالنسبة للباحثين تمثل نافذة صغيرة على حياة كاملة اندثرت تفاصيلها.

فمن خلالها يمكن طرح أسئلة عديدة: من صنعها؟ ومن ارتداها؟ وكيف كان يعيش صاحبها؟ وهل استخدمها جندي بالفعل لحماية نفسه من الشمس؟ وهل صممت في الأصل وفق نموذج روماني ثم جرى تكييفها لتناسب البيئة المصرية؟

ولا تزال الإجابات غير مكتملة، وهذا تحديدًا ما يجعل القطعة أكثر إثارة للاهتمام إذ أن الأثر لا تقتصر قيمته على المعلومات التي يقدمها، بل أيضًا على الأسئلة التي يتركها مفتوحة.

وربما تكون أكثر ما يثير الدهشة فيها أنها لم تكن يومًا قطعة صممت لتحفظ في متحف، بل كانت شيئًا عاديًا صنع ليرتدى ويؤدي وظيفة محددة. وبفضل بقائها، تحولت اليوم إلى كنز أثري نادر، يربط الحاضر بمشهد من الحياة اليومية قبل أكثر من 1600 عام.

الرابط المختصر :