تبسيط الأمور عمليًا يعني تجنب مظاهر التطويل المعطل لوتيرة السير الطبيعي للأعمال. وأيضًا استبعاد التعقيدات المعرقلة للجهود الجادة والمخلصة في أداء المهام. بمعنى التعالي عن ما هو غير أساسي أو ضروري على سبيل توفير إمكانية التيسير والتسهيل. لذلك لا تستند فلسفة البساطة على مفهوم التسطيح بنية الإخلال بجواهر الأمور أو بهدف القفز على الثوابت لتغييب الحقائق .
مفهوم البساطة
يبدو مفهوم البساطة في الحياة الشخصية والاجتماعية والعملية والمهنية موقفًا عقليًا وسلوكيًا مفضلًا. إذ يراها الكثيرون سر الحياة السعيدة؛ لأنها تعبر عن القيم المتخلصة من القيود التقليدية والمتحررة من العادات المحافظة والنظرات السلبية. وتدعو إلى أسلوب حياة يشجع الفرد على العيش وفقًا لقناعاته الشخصية ولقيمه الذاتية. بمعنى أنها تجعل الإنسان يستشعر بنفسه حقيقة متعة إدراك أسرار ومعاني الأشياء، ويسعد بنمو حسه الجمالي مع تأمل تفاصيلها.
مبادئ فلسفة البساطة
نستطيع أن نتبين مبادئ فلسفة البساطة في أمرين رئيسيين :
ـالتركيز على الأساسيات والأشياء المهمة سواء كانت أمورًا مادية نافعة أو علاقات مفيدة أو اهتمامات معينة ذات قيمة.
ـ التخلص من القيود المجتمعية البالية كالتكلف المفرط من أجل التفاخر بما هو زائل من مظاهر الإسراف والترف المضلل، والتباهي المبالغ بما هو فإن والتسابق نحو الظهور الزائف في حياة استهلاكية مكلفة.
البساطة مفهوم نسبي
هذا بينما يعتبره آخرون مفهومًا نسبيًا نصفه براجماتي ونصفه الآخر جمالي لا غير؛ لأنه كثيرًا ما يشعر الفرد بأن شيئًا ما في حياته يسير بشكل غير طبيعي لا يجعله يعيش كما كان يأمل حياة هادئة وباعثة على الطمأنينة، وأن ثمة شيئًا ما يمنعه من تحقيق ما كان يريده في الواقع، وهو طلب المزيد من السعادة.
إنه الانشغال بما يرضي الغير في المأكل والملبس أكثر من اهتمامه بضبط شؤونه وفق ما ينسجم مع أحواله وطبيعته. مفهوم البساطة لا يعني أن يعيش الإنسان محرومًا من حاجياته الأساسية أو أن يعيش منفردًا ومعزولًا عن الناس معتزلًا الحياة ومترفعًا عن مباهجها، أو أن يجعل أحلامه وأهدافه في طي النسيان فيزهد في حياته، ولا يطلب في الأرض علوًا، بل أن يعيش المرء حياته بالاعتدال والرشادة في كل شيء.
نهج البساطة مفيد للصحة
” الحياة الجيدة هي الحياة البسيطة” هذه الفكرة الفلسفية ترتكز على الطريقة التي ينبغي أن نعيشها بالحكمة والفضيلة تحقيقًا للسعادة الداخلية. أن اعتماد البساطة في أسلوب العيش يكون مفيدًا لصحة المرء الجسدية ولراحته النفسية.
إن كثيرًا من الأشخاص تغيرت وتحسنت صحتهم البدنية بعدما قرروا تغيير أسلوب حياتهم نحو البساطة في كل شيء، وعدم الاكتراث بكسب أموال أكثر؛ لأن البساطة ظلت خلال التاريخ البشري ضرورة ملحة ينظر إليها كفضيلة أخلاقية. ولكن مع نشوء المجتمع الاستهلاكي في ظل النظام الملتزم بالنمو المستمر وتطور اقتصاد السوق الحر.
كل هذا عزّز الميل الكبير نحو التشجيع على الإقبال اللافت لشراء ما كان يعد من قبل فائضًا عن الحاجة. وعليه تشكّل الانفصال التدريجي الواضح بين القيم التقليدية الموروثة وبين ضرورة استهلاكية. غرستها الثقافة التسويقية المعاصرة بشكل مفرط في النفوس.
لم يكن التناقض خلال عصور ما قبل الحداثة بين طريقة عيش الناس البسيطة وضرورات الحياة كبيرًا. ولكن تغيرت الأمور بعد أن تزايد الاهتمام بمدى تعظم ارتباط زيادة الثروة بتعزيز مفاهيم الحماية والأمن.



















