تعد الشهية مؤشرًا حيويًا يتجاوز مجرد الرغبة في تناول وجبة؛ إنها لغة الجسد التي تعبر عن حالته الصحية والفسيولوجية والنفسية. في هذة المقال يسلط البروفيسور راجيش كومار الضوء على هذه الظاهرة المعقدة، موضحًا أن فقدان الشهية ليس مجرد عرض عابر، بل هو نتاج تفاعل متشابك بين عوامل بيولوجية، نفسية، وبيئية. بحسب “researve” يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه العوامل لفهم الجذور العميقة لهذه المشكلة؛ ما يمهد الطريق لتدخلات علاجية أكثر فعالية.
أولًا الاسباب البيولوجية
خلل هرموني
يبدأ فهمنا لفقدان الشهية من الداخل، حيث يعمل الجسم كنظام متكامل تحكمه توازنات دقيقة. تلعب الهرمونات دور المايسترو في هذه العملية. إذ يؤدي أي خلل في هرموني “اللبتين” (المسؤول عن الشبع) و”الغريلين” (المحفز للجوع). إلى إرسال إشارات خاطئة للدماغ، مما يثبط الرغبة في الأكل.
بينما بالتوازي مع ذلك، يلعب الجهاز الهضمي دورًا محوريًا. فاضطرابات مثل متلازمة القولون العصبي (IBS). وما تسببه من انتفاخ، أو شلل المعدة الذي يؤخر عملية الهضم، تخلق ارتباطًا شرطيًا سلبيًا بين الطعام والألم، مما يدفع المريض لتجنب الأكل. كما أن الأمراض الالتهابية مثل داء كرون لا تسبب الألم فحسب، بل تعيق امتصاص العناصر الغذائية، مما يدخل الجسم في دوامة من الضعف ونقص الشهية.
ولا تتوقف الأسباب البيولوجية عند المعدة، بل تمتد إلى الجهاز العصبي. فأي ضرر يلحق بمنطقة “تحت المهاد” في الدماغ نتيجة إصابة، أو تدهور في الوظائف الإدراكية بسبب أمراض مثل الزهايمر والخرف. يؤدي إلى نسيان المريض لتناول الطعام أو فقدان القدرة على إدراك إشارات الجوع. ما يجعل التغذية تحديًا يوميًا لمقدمي الرعاية.

ثانيًا الأسباب النفسية
العقل والعاطفةوسيكولوجية الجوع
لا يمكن فصل المعدة عن العقل؛ فالحالة النفسية تشكل جزءًا كبيرًا من عاداتنا الغذائية. يعمل التوتر والقلق على رفع مستويات الكورتيزول، مما يشتت انتباه الجسم عن الجوع ويدخله في حالة تأهب تُلغي متعة الطعام. وبالمثل، يسرق الاكتئاب “التلذذ” من الحياة، فيصبح الطعام بلا طعم والدافع لإعداده معدومًا.
تتجلى العلاقة المعقدة بين النفس والجسد بوضوح في اضطرابات الأكل. فمريض فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa) يكبح شهيته قسرًا خوفًا من زيادة الوزن. بينما قد يعاني مريض “نهم الطعام” من فقدان للشهية الطبيعية بين نوبات الأكل العاطفي، ما يغرقهم في مشاعر الذنب والخجل.
البيئة ونمط الحياة: المؤثرات الخارجية
خارج حدود الجسد والنفس، تفرض البيئة شروطها. حيث تؤثر الظروف المعيشية، ومدى توفر الغذاء الصحي. وحتى “ثقافة المائدة” على شهيتنا. العزلة الاجتماعية وتناول الطعام وحيدًا قد يقللان من الحافز للأكل، بينما تعزز اللمة العائلية والتفاعلات الاجتماعية الإيجابية من الشهية وتحسن من تجربة تناول الطعام.
كما تلعب الأدوية دور “سلاح ذو حدين”. فبينما تعالج أدوية مثل مضادات الاكتئاب أو العلاج الكيميائي أمراضًا خطيرة، فإنها قد تسبب غثيانًا أو تغيرًا في حاسة التذوق يؤدي للعزوف عن الطعام. هذا بالإضافة إلى أنماط الحياة الحديثة؛ فقلة النشاط البدني واضطراب النوم يربكان الساعة البيولوجية للجوع. في حين أن الرياضة المنتظمة تعمل كمحفز طبيعي للشهية.

فهم شمولي
كما يتبين لنا أن انخفاض الشهية ليس مجرد “فقدان للرغبة”، بل هو عرض لقصة أكبر يرويها الجسم والعقل. سواء كان السبب مرضًا مزمنًا كالسكري أو السرطان، أو ضغطًا نفسيًا، أو أثرًا جانبيًا لدواء، فإن الحل يكمن في النظرة الشمولية. إن الوعي بهذه العوامل المتداخلة لا يساعد الأطباء في التشخيص فحسب، بل يمكن الأفراد من فهم أجسادهم بشكل أفضل، ما يفتح الباب أمام خيارات حياتية وعلاجية تعيد للشهية توازنها، وللحياة جودتها.



















