فـن تاريخ لم يهمله التاريخ.. نشأة المسرح الأمريكي

تميزت طقوس الأقوام الأولين قديمًا بالطابع الديني والاجتماعي في الاحتفال بمواسم معينة تقديسًا وتخليدًا لها. وكانت للهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين طقوس معينة حملت البذور الأساسية للدراما، لكنها لم تتطور.

ظروف بداية المجتمع الأمريكي

كانت بداية المسرح الأمريكي في القارة الجديدة على يد المهاجرين الأوربيين الذين توافدوا على موجات كبيرة بين عامي 1620 و1629 لذلك كانت البداية أوروبية. حيث كان مسرحًا مستعارًا وامتدادًا لما يحدث في أوروبا. فالغالبية العظمى من المهاجرين كانوا يحملون أفكارهم إلى هذا العالم الجديد.

وهم من فئة المتطهرين أو ” البيورتيان “الذين لم يستطيعوا تحمل الاضطهاد الديني بعد موت الملكة “اليزابيث” في إنجلترا. وانتهاء فترة التسامح الذي اتسم به عهدها. كانت أفكارهم ومعتقداتهم الدينية تؤكد أن الإنسان يحمل خطيئة آدم.

والحياة بالنسبة لهؤلاء المتطهرين هي عقاب أو سجن تكفيرًا عن هذه الخطيئة الموروثة. وأنه على ذلك يجب أن تكون خالية من الملذات أو الترف، وكان هناك صراع بين هؤلاء الروّاد والهنود الحمر في إطار محاولة انتزاع مواطئ أقدام لأنفسهم بالقوة فكان القتال الدائم. كما كان عليهم عدم التوقف عن الزحف والتمدد على المساحات الواسعة للقارة الجديدة والتوغل في مجاهيلها. ولهذا ظل المجتمع الجديد طوال القرن السابع عشر لا يعرف شيئًا عن الفنون الدرامية في وقت كان المسرح قد بلغ أوجه خاصة في إنجلترا.

بداية إدخال فن المسرح

في النصف الأول من القرن الثامن عشر بدأت محاولات إدخال فن المسرح لكنها ظلت بين مد وجزر، وتؤكد حقائق الواقع أنه كثيرًا ما كانت السلطات في نيويورك، بنسلفانيا، فيلادلفيا، وولاية فيرجينيا تمنح لممثل زائر قادم من إنجلترا بتقديم عروضه ثم لا تلبث أن تسحب موافقتها بسرعة وتغلق القاعة.

في بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأت فترة جديدة من النشاط المسرحي دامت حتى بداية حرب الاستقلال الأمريكية (1775 ـ 1783). ويرجع الفضل فيها إلى الشباب الذين ضاقت بهم الحال في إنجلترا مثل ” وليام هالام”. الذي فكر في إرسال أخيه “لوي هالام” وزوجته الممثلة الشابة إلى أمريكا.

وبعد بداية موفقة في وليامزبيرج في إقليم فيرجينيا انتقلت الفرقة إلى نيويورك ثم فيلادلفيا وعدة مدن أخرى. واستمر نشاط الفرقة المسرحية أكثر من 30 عامًا، وكثيرًا ما تحايلت لتقديم عروضها في المناطق التي تقوى فيها المد الديني. ففي عام 1761 أعلنت الفرقة عن مسرحية “عطيل” لشكسبير أرادت تقديمها في نيويورك التي كانت معقلًا قويًا من معاقل (نيو إنجلاند) الدينية.

وبرغم ذلك قدمت الفرقة رائعة شكسبير على أنها حوار أخلاقي عن الغيرة والزواج والخيانة. ويحدث أن تتضافر بعض الظروف لهذه الحركة المسرحية الشابة لتتثبت. كانت هذه الحركية خطوة جديدة نحو نشر الوعي المسرحي، وحينما تأججت المشاعر الوطنية وبدأت رياح التغيير ارتفعت الأصوات المتمردة على التبعية لحكومة بريطانيا العظمى، وتغيّر الفرقة اسمها إلى الفرقة الأمريكية عام 1766.

ظهرت ثمار تلك الفترة من حياة أمريكا بأول مسرحية أمريكية، وقدر للفرقة الوقوف على خشبة المسرح لتقديم مسرحية  “أمير بارثيا” لتوماس جيفري 1767 وهي مسرحية اعتمد فيها المؤلف على المحاكاة المباشر لشكسبير ودرابن.

تطورات المسرح الأمريكي

بانتهاء احتكار الفرقة الواحدة للحركة المسرحية بدأ مع بداية القرن التاسع عشر التنافس الشديد بين الفرق العاملة في مدن أمريكية كبيرة، واشتدت الرغبة في تعظيم الربح المادي المجزي، ولتحقيق ذلك بدأت الفرق المسرحية تتعاقد مع نجوم إنجلترا الكبار.

حققت عروض الممثل الإنجليزي المشهور “كوك” عام 1811 نجاحًا لم يره العالم الجديد من قبل. وأصبحت سياسة الاعتماد على الأسماء اللامعة ثابتة إلى آخر القرن التاسع عشر حتى أصبح النجم المسرحي أهم شيء في العرض.

وأدى هذا الحال لانقراض الفرقة الدائمة ونظامها الذي عرفته أمريكا منذ البداية، ولم تعد مقصورة على مدن بعينها بل أصبحت تنتشر من مدن الساحل الشرقي في اتجاه الغرب. والغريب أن الولايات المتحدة في بحثها عن ذاتها لم تنتج طوال هذا القرن مؤلفًا مسرحيًا يؤكد ذاتها لكنها اتجهت إلى إنتاج الممثل المسرحي المحلي.

مع انتهاء النصف الأول من القرن التاسع عشر برز اسم أول مؤلفة أمريكية “أناكورا أوجدن” التي قدمت أول كوميديا أمريكية خالصة في مارس 1845 بعنوان “الموضة”.

وبينما كانت أمريكا تتوسع جغرافيًا باكتساب مناطق الغرب، أخذت ثروة مدن الشرق الأمريكي تنمو. فأخذت تنتج حياة فيها الخشونة الفطرية وفيها الغنى بالألوان والحياة. وفي سنة 1848 قدمت مسرحية “نظرة إلى نيويورك” لإبراز حب الحرية والثورة على الطغيان. ثمة مسرحيات استمدت من تحويل رواية (هاربيتبيتشرستو)” كوخ العم توم” إلى قوالب.

الميلودراما في المسرح الأمريكي

مسرحية استطاعت أن تبرز ما في الرواية من شجون ومشاعر فكانت تلك المسرحية التي قدمت في يوليو 1853 ميلودراما. جعلت الدموع تنهمر من عيون كل من حضر في الصالة حتي هؤلاء المعارضين لسياسة إلغاء الرق. كانوا يبكون أمام معاناة الزنجي العجوز على خشبة المسرح. ومنذ ذلك اليوم سقطت بقايا قلاع المقاومة الدينية المستترة وفقدت فعاليتها. ومع ذلك كان هناك الكثيرون من المتدنيين الذين ينظرون إلى المسرح بعين الاحتقار. لكن نجاح “العم توم” غيّر نظرتهم إلى المسرح فأصبحوا ينظرون إليه كعنصر تطهير وتثقيف.

دخول الواقعية إلى المسرح الأمريكي

كان دخول الواقعية إلى المسرح الأمريكي هو التطور الهام، وتكمن أهمية هذا التطور في أن هذا المسرح قد عرف الواقعية. قبل أن يعرفها المسرح الأوروبي لسنوات طويلة ممثلة في إبداعات إخراج “أندريه أنطوان”. وفي اقتباسات روايات “إميل زولا” ومسرحيات “إيسن” أخذ الاتجاه إلى الواقعية في المسرح الأمريكي عدة مظاهر منها:

الأداء

أدت عيوب النجم الأوروبي الأوحد إلى ظهور الفرق المسرحية الثابتة التي تعتمد على تقديم عروض جماعية ذات ثقل. ما أفسح المجال أمام النجوم الأمريكيين الموهوبين  الذين نجحوا في إدخال الأداء الواقعي إلى خشبة المسرح.

الديكور

في عام 1857 قدم أحد المسارح في نيويورك مسرحية بعنوان “فقراء نيويورك”. وفيها مشهد حي لأحد البيوت تلتهمه النيران أمام أعين المتفرجين. وربما كان ذلك مغالاة في الواقعية التي كانت إحدى السمات الأساسية للواقعية الأمريكية. وفي الثلاثينات من القرن العشرين كان الجمهور يشاهد على خشبة المسرح نافورة مياه حقيقية يلعب الصبية نصف عراة في الحوض المحيط بها.

النص المسرحي

كان اعتماد الكاتب الأمريكي على أصول أوروبية ثم رغبته في الوقت نفسه في تقديم عرض أمريكي سببًا في ظهور هذا الاتجاه.

التقنية والإضاءة

مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت الاختراعات في ميدان الإضاءة المسرحية تتوالى، مما مكّن مصمم الديكور والمخرج المسرحي من التحكم في كثافة الضوء ودرجته وتوزيعه لتقوية عنصر الإيهام بالواقع.

معمار المسرح

جاء افتتاح مسرح “بوث” في الثالث من فبراير عام 1868 بمسرحية “روميو وجولييت” بمثابة مرحلة أخيرة لعدة تطورات في فن المعمار المسرحي. كانت المقدمة قد اختفت تمامًا واختفى البابان التقليديان على جانبي فتحة المسرح. وأصبح العرض كله يقدم خلف فتحة المسرح وليس أمامها.

ظهور المخرج والمنتج والمدير

وهو الشخصية القوية أو الريجيسير الذي مهد لظهور الواقعية في أوروبا وأمريكا.

ازدهار المسرح الأمريكي

مع بداية القرن العشرين كان في أمريكا أكثر من خمسمائة فرقة مسرحية، ويلاحظ أنه مع ازدياد تيار الواقعية في أمريكا. فإنه لم يستطع العالم الجديد أن يقدم عملًا مسرحيًا آخر يضاهي مسرحية “أيسن”.

لكن هذه الفرق للمسرحية كانت قد بدأت تتجمع في مجموعات تسيطر النقابات على كل شيء فيها. وأصبح العمل في المسرح تجارة، وهذا يفسر حقيقة مهمة في تاريخ المسرح الأمريكي. وهي أن الدولة لم تسهم في تمويل تلك الحركة باستثناء فترة قصيرة من عام 1935 إلى 1939. لقد كان المسرح الأمريكي وما زال كيانًا مستقلًا عن الدولة، كيانًا تجاريًا إلى حد كبير.

الرابط المختصر :