فدوى طوقان.. الشاعرة في محراب الحب، الراهبة في قداسة الوطن

على مدى خمسين عامًا من الإبداع والعطاء الأدبي خرجت القصائد من رحم معاناة الأديبة والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان.  وتناولت في معظمها مواكبتها لمسار النضال الفلسطيني حتى لُقبت بـ”شاعرة فلسطين”، و”أم الشعر الفلسطيني”

المولد والنشأة

ولدت فدوى عبد الفتاح أغا طوقان في مدينة نابلس بالضفة الغربية عام 1917 لأسرة عريقة وغنية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي. فرض عليها واقعها الاجتماعي الالتزام بالعديد من القيم والتمسك بالكثيرمن السلوكيات .

وكان من جملتها اعتبار مشاركة المرأة في الحياة العامة غير مستحبة. وانعكس أثر هذا بشكل قيود على حياتها الشخصية حتى أصبحت المدرسة أحب إليها من البيت. ومع ذلك فلم تستطع إكمال دراستها. وأُخرجت مبكرًا من المدرسة بعدما تبين لشقيقها أن صبيًا رمى لها يومًا ربطة فل على سور البيت بعد عودتها من المدرسة.

منذ اليوم الأول في حياتها خرجت إلى عالم غير مستعد لتقبلها. أمها حاولت التخلص منها مرارًا في الشهور الأولى من حملها بها بعدما أنجبت خمس بنين وخمس بنات.

بقيت ذكريات طفولتها مشوشة، باهتة، متقطعة، تتذكر جيدًا كيف كانت تتمتع بلحظات وجودها، وسط أصدقاء أبيها وعمها وأصدقاء أشقائها وأصحاب الدكاكين فمعهم تحس أنها ذات قيمة أكثر مما هي بين أهلها.

وكذلك بعد التحاقها بالمدرسة فقد جعلتها طريقة تصرف المديرة والمعلمات معها تتمكن من تكوين فكرة أفضل عن نفسها. لقد تذوّقت معنى الصداقة فيها وأشبعت الكثير من حاجاتها النفسية. كانت مرحلة مهمة في حياتها حين استطاعت تمييز ذاتها الاجتماعية.

فدوى الشاعرة

سمح بقاؤها طويلًا في البيت بتعزيز ميلها إلى الشعر والأدب، والتقطها أخوها الكبير إبراهيم طوقان من حالة الفراغ فعلّمها نظم الشعر وكتابته. حتى بدا أنها تحررت من ظلمات المجهول، لكن لفت نظرها تفتح جسدها، أربكها نمو مظاهر أنوثتها. خافت وخجلت كما لو كان ارتكاب ذنب مخجل لا يُغتفر استحق العقاب. في تلك المرحلة العمرية لم تكن تعرف شيئا عن الحب على الإطلاق.

وجاء الربيع وعرفت هذا الشيء المُسمى حبا والذي ظل يشرنق حول وجودها. جاء الجواب الذي حرّمته عليها أمها جاءها محملا على زهرة فل عبقت رائحتها جدران قلبها. اكتشفت شيئًا جديدًا في نفسها، شيئًا غريبًا وقفت مبهورة الأنفاس أمام دهشة الحب الأول.

المصدر: The Palestinian Museum Digital Archive

ومن المفارقات التي أثارت دهشة البعض حول كتابة سيرتها الذاتية عدم ذكرها لمن خفق لهم قلبها خوفًا من التقاليد والقيود التي حكمتها حتى حوّلتها إلى راهبة وفريسة في محراب الحياة والشعر.

إلاّ أن المجتمع حرّم عليها وعلى الكثيرات من الأديبات البوح عن المشاعر الإنسانية. وعن هذا تقول فدوى: “ظل الحب بالنسبة لي يحمل مفهوما أوسع نطاقا من كونه تأكيدا لأنوثة المرأة، ظل بالنسبة لي تأكيدًا لإنسانيتي المسحوقة وإنقاذًا لها، لقد بقيت طول عمري مشدودة إلى الحب مدفوعة بعاطفة شعرية يصعب توضيحها ..” لقد ظلت استجابات فدوي طوقان للحب بصورة غير إرادية.

صار الشعر انعكاسًا صادقًا لحالتها المضطربة في قصيدة العودة 

عارية القلب رجعت إليك

عارية القلب أتيتك يا

متعالي ، يا نائي الدار

يا غائب، يا أبدي الصمت

عتبي لو تسمعني عتب

المنكسر المنسحق القلب

لم تفصلني دوما عنك

وتردّ يدي الممدودة نحوك في

ضعفي، في قلة حولي

كانت الطاعة من أبرز صفاتها؛ لأن الخوف يسكنها من أهلها، فهناك دائمًا من يراقبها. قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لها أخوها يوسف بطل رياضة حمل الأثقال الذي حكم عليها بالإقامة الجبرية في البيت.

المصدر: Poesia Más Poesia

عندما ذاب قلبها حزنا

منزل الأحباب مهجور، ويافا

تُرجمت حتى النخاع

والتي تبحث عني لم تجد مني سوى جبهتها!

اتركي لي كل هذا الموت يا أخت، اتركي

هذا الضياع

فأنا أضفره نجما على نكبتها ؟!

آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

وأنا لست مسافر

إنني العاشق والأرض حبيبة .

عن مأساة وطنها وقضية شعبها كتبت بروح الشجاعة ونفس التحدي

لم ترفع من دوني الأسوار

وتقيم من الظلمات جدارا فوق جدار

وتظل بعيدا أنت

تتعالى، تتحصن بالصمت

أيروعك صوتي الواهي أم

يخجلك ندائي لك

وأنا أرفع بين يدي

جراحي وضراعاتي لك

أيروعك صوتي بعد صمودي

تحت توالي ضرباتك

وهويّ سياطك فوق جراحي

لم تتزوج فدوى طوقان برغم وجود قصص حب في حياتها  بسبب القيود الاجتماعية، وشاء القدر أن تترك فدوى طوقان خلفها قصص حب انتهت قبل أن تبدأ وحكايات عاطفية لم تكتمل  وأخرى لم تروى بعد.

تُوفيت فدوى طوقان عام 2003 في وقت متأخر من ليلة الجمعة 12 ديسمبر في إحدى المستشفيات الفلسطينية بسبب جلطة أصابتها.

الرابط المختصر :