حوار الغلاف

عهود الحقباني: الرعاية الجيدة لأطفال التوحد تجعلهم مبدعين في المستقبل

“عهود الحقباني؛ أخصائية تربية خاصة اضطراب طيف التوحد، حاصلة على ماجستير في التربية الخاصة ودبلوم عالٍ في تحليل السلوك التطبيقي والممارسة منذ عشر سنوات.. التقيناها في هذا الحوار؛ لتسلط الضوء على موضوع “التوحد” الذي يؤرّق كثيرًا من الأسر التي يعاني أبناؤها منه، فكشفت عن الطرق العلمية للتعامل معهم، وكيف يمكن جعلهم مبدعين في المستقبل..

*ما الذي دفعك إلى التخصص في هذا المجال؟

– عندما كنت أدرس في مرحلة البكالوريوس، لم يكن لدينا مسار عن اضطراب طيف التوحد؛ إذ كانت المعلومات التي درسناها عنه قليلة. وعندما بدأت في آخر فصل بالبحث عن مكان للتدريب، وجدت أن عدد المراكز المتخصصة محدودة؛ ما أثار فضولي لمعرفة المزيد عنه. وبعد تدريبي معهم، وجدت نفسي محبة لهذا المجال والتعامل مع هذه الفئة من الأطفال.

*هناك التباس في تعريف اضطراب التوحد لدى الكثيرين؛ فما تعريفه العلمي؟

– يُعرَّف التوحد عالميًا بأنه اضطراب عصبي نمائي يصيب الفرد؛ فيؤثر على مهارات التفاعل والتواصل كاللغة؛ ومن ثمَّ يظهر عليه بعض السلوكيات النمطية والتكرارية.

الأعراض المبكرة

*كيف يتم اكتشاف التوحد؟ وهل هناك أعراض مبكرة له؟

– تظهر الأعراض في سن مبكرة، يظهر بعضها في الأشهر الستة الأولى؛ إذ لا يتفاعل الطفل مع والدته أو يبتسم لها، وقد يصيب آخرين في عمر السنة ونصف السنة؛ حيث يتراجع في عدد الكلمات. وغالبًا ما يتم تشخيص المرض في عمر الثلاث السنوات؛ إذ تظهر الأعراض في عدم تنمية مهارات الكلام، أو عدم الاستجابة لاسمه، كما يفضل الجلوس بمفرده، ولا يتواصل مع الآخرين بصريًا. وهناك أطفال لديهم سلوكيات نمطية وحركية تكرارية؛ مثل هز الجسم، والقفز الكثير، كما تكون طريقة لعبهم مختلفة عن الأطفال الأصحاء؛ فتجدهم يركزون على جزء من اللعبة؛ كالتركيز مثلًا على رمش العروس فقط، وإطار السيارة في اللعبة، وكيفية تحركه، وليس على كامل السيارة.

عوامل جينية وبيئية

*هل تعود أسباب المرض إلى عوامل وراثية، أم ترتبط بالبيئة المحيطة بالمريض؟

– حتى الآن، لا يوجد سبب واحد نستطيع من خلاله القول إنه السبب الرئيس للتوحد، فلا يزال العلماء يبحثون عنه، ولكن هناك عوامل محفزة ومتداخلة مع بعضها البعض، فأحيانًا تكون جينية وأحيانًا تكون بيئية، أو هما معًا.

*ما هي الاضطرابات التي تمنع المرضى من التفاعل مع مجتمعاتهم؟

– أكثر شيء يؤثر عليهم؛ هو ضعف التواصل والتعبير عن حاجاتهم وطلب ما يريدون؛ وذلك بسبب ضعف اللغة، فتجد الطفل يبكي بشدة دون سبب؛ لذلك نشدد نحن- كأخصائيين- على التدخل المبكر؛ لكي نبحث عن قدرات الطفل، ونعمل على تطوير مهاراته، ومن ضمنها اللغة؛ فعند حضور الطفل في وقت مبكر يكون تطوير المهارات ممكن بشكل أفضل، وكذلك مساعدته في التعبير عن حاجاته من خلال سبل التواصل البديلة؛ كالأجهزة الإلكترونية، أو عن طريق برنامج “بيكس”، الذي يساعد على التواصل بالصور.

*ما أبرز التغيرات الذهنية والجسدية التي تظهر على المريض؟

– لا يختلف الشكل الجسدي غالبًا عن الأطفال الطبيعيين، وكذلك نموه وحركته، عدا بعض الأطفال الذين تجدهم يسيرون على أطراف أصابعهم، ولكنَّ نسبتهم قليلة، وربما تكون المشكلة في العضلات أو الإحساس؛ لذلك نستعين بتخصصات أخرى تساعدنا على حلها.

*هناك أعراض بعدم الإحساس لديهم، فما السبب؟

– هم نسبة بسيطة، فبعضهم لا يشعر بالألم عندما يلمس الأشياء الساخنة، وهنا يجب على أسرته مراجعة متخصص في التكامل الحسي؛ ليضع له خطة تناسب احتياجاته.

مبدعون وعباقرة

*هناك مبدعون وعباقرة على مستوى العالم عانوا من اضطراب طيف التوحد، فهل له علاقة بالإبداع؟

– عندما نعطي الطفل العناية الصحيحة ونهيئ له البيئة المناسبة، سوف يبدع بطريقته الخاصة، فهناك علماء وباحثون كانوا مصابين باضطراب طيف التوحد، لكنَّ هذا لم يمنعهم من استكمال تعليمهم، أو تخصصهم في مجالات معينة. وقد شهدنا- قبل فترة- فتاة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لم تستطع أن تتكلم في طفولتها، ولكنَّها تغلبت على الصعوبات التي واجهتها، ونجحت في الحصول على “البورد”؛ لتكون أول محامية في العالم مشخصة باضطراب طيف التوحد؛ وهذا بسبب توفر البيئة الصحيحة والمناسبة لها.

*ما هي الطريقة الأمثل لتعامل الأسرة مع ابنها المصاب بالتوحد؟

– وجود طفل في البيت مصاب باضطرابات طيف التوحد، اختبار من الله، وربما يكون سبب لهم في دخول الجنة؛ فعليهم الاهتمام به؛ بتهيئة المتغيرات البسيطة له قبل حدوثها؛ مثل زيارة ضيف للبيت، أو تغيير السيارة التي تذهب به إلى المدرسة، والتشخيص المبكر والاهتمام بمراجعة المختصين، وكذلك يستحسن أن يعطي الوالدان، المحيطين بالأسرة- من إخوة وأبناء عم- طاقة إيجابية عن المصاب وإخبارهم بطباعه، فإذا ما كان هناك تعاون من الأسرة على توفير بيئة مناسبة للطفل، فإن ذلك سيساهم في تحسنه وتطوير مهاراته، ومن المحتمل إذا كان الاهتمام عاليًا، وكان التدخل في عمر مبكر، ألا يتم تشخيص الطفل فيما بعد باضطرابات طيف التوحد.

دور الأسرة

*كيف تُقيمين دور الأسرة ومؤسسات المجتمع الخاصة بالعناية باضطراب طيف التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة؟

– لدينا اليوم تطور كبير، مقارنةً بالسنوات العشر السابقة، سواء من الناحية التوعوية، أو من ناحية وجود مراكز متخصصة في التشخيص، أو تقديم خطط علاجية، أو تدريبية، أو تأهيلية للأطفال. ولا نزال نحتاج إلى تطوير وتأهيل، وأن نعلم ونطوّر الأسر؛ لكي يعلّموا الطفل- مثلًا- كيف يدخل دورة المياه لوحده، وماهي التغيرات التي تحدث له من اضطرابات هرمونية أثناء مرحلة البلوغ، وتعليم الأسرة كيفية تدريب الطفل.

*كيف ترين الاحتفال بمناسبة اليوم العالمي للتوحد؟

– الجميل في اليوم العالمي للتوحد، أنَّ هناك توعية كبيرة. وكلما زاد الوعي، زاد تقبل المجتمع وتغيرت وجهة نظره، فلدينا- مثلًا- معلومات مغلوطة بأن الطفل المصاب باضطراب التوحد عنيف، ويضرب، وربما يصرخ، لكنَّ هذا يحدث حتى مع الأطفال الأصحاء، كما نحتاج إلى زيادة التوعية في باقي مناطق المملكة والهجر والقرى، فضلًا عن أهمية وجود فريق- يُحسِن التشخيص- يذهب إلى جميع المناطق، وليس المناطق الرئيسة فقط.

* هل تزداد نسبة اضطرابات طيف التوحد، أم تتراجع؟

– النسبة في تزايد، بحسب الإحصاءات؛ وذلك لأسباب كثيرة؛ منها أنه ربما في السابق لم يكن هناك تشخيص في مراحل مبكرة، أو الخطأ في التشخيص، وكذلك زيادة الوعي.

لذلك، أنصح الأسر بمعرفة فيما يبدع أطفالهم؛ ليطوروا مهاراتهم؛ لأن كثيرًا من الأطفال إذا أحسنا استغلال مهاراتهم منذ الصغر، فربما نستطيع أن نفتح لهم وظيفة بسببها في المستقبل.

وأذكر أنه كانت هناك أم رائعة، اكتشفت أن طفلها يحب صناعة الحلويات، فساعدته على تنمية هذه المهارة، فلما كبر فتح له حسابًا في تطبيق إنستجرام لبيع الحلويات.

وتؤكد كثير من الدراسات أنه كلما أصبح هناك تدخل من الأهل قبل سن 5 سنوات، تحسنت وتطورت مهارات طفلهم بشكل ملحوظ.

بواسطة
عبد الله القطان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق