على نغمات النهام.. رحلة في تقاليد الصيد البحري السعودي

على نغمات "النهام".. رحلة في تقاليد الصيد البحري السعودي
على نغمات "النهام".. رحلة في تقاليد الصيد البحري السعودي

يعد البحر في الوجدان السعودي أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنه سجل حافل من القصص والتقاليد التي نحتت هوية المناطق الساحلية على ضفاف الخليج العربي والبحر الأحمر. فمنذ مئات السنين، ارتبط الإنسان السعودي بـ “الهير” و”الخور”، ونسج من جريد النخل وسعفه شباك للصيد، وبنى من خشب الساج سفن جابت عباب البحار، مخلفة وراءها إرث ثقافي يتنفس برائحة الملح وأصالة الماضي.

القلاف وتفصيل الأشرعة.. هندسة فطرية تتحدى الموج

لم يكن بناء السفن في السعودية مجرد نجارة عادية، بل كان علم يورث. عرف صانع السفن بـ القلاف”، وهو المهندس الذي يحدد المقاسات بدقة متناهية، ويحول الأخشاب الصماء إلى هياكل نابضة بالحياة.

وقد تنوعت السفن لتلبي احتياجات الصيادين:

  • الجوري“: السفينة القوية المعدة للرحلات الطويلة والصيد في أعماق البحار، والمزودة بخانات للمؤن.
  • الهوري“: القارب الصغير الرشيق المخصص للصيد القريب من الشواطئ.
  • السفن الشراعية“: التي اشتهرت بها مدينة جدة، وهي سفن ضخمة من دورين، استخدمت للسفر والتجارة، وتعتمد على “تفصال الشرعه”، وهي مهنة تتطلب مهارة حسابية فائقة لضبط زوايا الرياح وأطوال الأشرعة.
على نغمات “النهام”.. رحلة في تقاليد الصيد البحري السعودي

الحضرة”.. ابتكار الصياد الذي طوع المد والجزر

على ساحل الخليج العربي، ابتكر الصيادون وسيلة ذكية للصيد تعرف بـ “الحضرة”. وهي مصيدة تقليدية تنصب في المياه الضحلة، مستغلةً ظاهرة المد والجزر.

تعتمد الفكرة على “حظر” خروج الأسماك بعد دخولها المصيدة مع حركة الماء. وتتكون من أجزاء دقيقة كـ (السر، الحنية، اليد، والمخبأ). قديمًا. كان يتم بناؤها بالكامل من مواد بيئية مثل جريد النخل وليفه، قبل أن يدخل “السيم” الحديدي والنايلون في صناعتها حديثًا. ويلقب المشرفون على هذه المصائد بـ “الأساتذة” لخبرتهم العميقة في أحوال البحر واتجاهات تياراته.

النهمة”: حين يتحول التعب إلى فن

لا تكتمل صورة الصيد القديم دون سماع صوت “النهام”. ففي عرض البحر، وتحت ظلال الأشرعة، كانت “النهمة” هي الوقود الروحي للبحارة. هي أهازيج وألحان بحرية يطلقها النهام لرفع الروح المعنوية وتخفيف عناء العمل الشاق.

تعبر هذه الفنون الشعبية عن هموم الإنسان وتطلعاته، وقد ارتبطت بمهن بحرية شاقة مثل صيد اللؤلؤ، جمع الأحجار المرجانية، وتجارة النقل البحري. وفي جزر فرسان. يبرز موروث “صيد الحريد” كأحد أقدم التقاليد. حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن أهالي الجزيرة يمارسون هذا الطقس منذ عام 620هـ، مما يجعله مهرجان سنوي يربط الحاضر بجذور التاريخ البعيد.

على نغمات “النهام”.. رحلة في تقاليد الصيد البحري السعودي

إرث لا يغيب خلف الأفق

إن تقاليد الصيد في المملكة ليست مجرد ذكريات، بل هي جزء أصيل من النسيج الثقافي الوطني. من مهارة “القلاف” إلى أهازيج “النهام”. ومن ذكاء “الحضرة” إلى احتفالات “الحريد”. تظل هذه التقاليد شاهدة على صمود الإنسان السعودي وإبداعه في تطويع البيئة البحرية. لتظل أشرعة التراث مرفوعة تروي للأجيال القادمة حكاية عشق لا تنتهي بين الإنسان والبحر.

الرابط المختصر :