علم الأغذية في الحضارة الإسلامية

الغذاء ينبوع الحياة لا غنى عنه لكل الكائنات لأنه المصدر الذي يمدنا بالطاقة اللازمة لمواصلة النشاط وبالعناصر التي تتكون منها أجسامنا. ولما كان أصل الإنسان من الطين والتراب فقد اتجهت الأبحاث العلمية نحو التأكد من أن مادة جسم الإنسان مكونة من العناصر الأساسية للتراب والطين.

وخلاياه تتكومن من هذه العناصر نفسها، ولذا كان من الطبيعي أن تتوافر هذه العناصر في الغذاء نفسه الذي يتناوله الإنسان. وعند تأمل نوعية الغذاء في حضارتنا الإسلامية نجد أنه علم قائم بذاته تناوله عدد كبير من العلماء والمصنفين والأطباء والصيادلة الذين تركوا لنا في هذا المجال عددًا كبيرًا من المؤلفات. التي بحثوا عبرها في الأغذية ومنافعها وأضرارها، وما نتج عن ذلك من تصنيف، غذاء نافع ودواء ناجح.

الغذاء في القرآن الكريم

جاء في القرآن الكريم أنواع متعددة من الأغذية والأطعمة التي أثبتت البحوث العلمية الحديثة في التغذية. أنها تحتوي على المكونات الغذائية الضرورية لجسم الإنسان. حيث اشتملت آيات القرآن الكريم على اللبنات الأساسية لأسس التغذية السليمة التي تبني جسم الإنسان بناءً سليمًا. ومن هذه الآيات: “هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أُكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وأوتوا حقه يوم حصاده ولا تُسرفوا إنه لا يحب المسرفين ”  (الأنعام 141).    

“وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان. يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون”  (الرعد 4)

” أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (المائدة 96)

“وإن لكم في الأنعام لعبر ة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لنبا خالصا سائغا للشاربين. ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون” (النحل 66/67)

“أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون، ودللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون” (يس 71  /72)

تشير الآيات السابقة وغيرها لا يتسع المجال لذكرها إلى الطيبات من الرزق التي أحلّها الله تعالى لعباده. من لحوم وأغنام وإبل وأنعام وطيور وأسماك واللبن والعسل، وكذلك الفواكه والثمار والبقول والحبوب والخضراوات.

وجميعها تحتوي على عناصر الغذاء الأساسية التي تمد جسم الإنسان بالحرارة الضرورية لحياته. وبالطاقة اللازمة لدوام قيامه بالوظائف الطبيعية والحيوية.

وفي نفس الوقت يحذر القرآن الكريم الإنسان من تناول الطعام الضار. الذي أثبت العلم الحديث ما تحتوي عليه من عناصر ومركبات فاسدة تؤثر تأثيرًا سلبيًا خطيرًا على صحة الإنسان. قال تعالى : “حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله”  (المائدة 3)

علماء المسلمين وعلم الأغذية

لقد اهتم علماء المسلمين اهتماما كبيرا بهذا الفرع من فروع العلم وأفردوا له العديد من المؤلفات التي تحدثوا فيها عن الغذاء. وبيّنوا من خلالها أهنية الغذاء السليم في الحفاظ على صحة الإنسان. بل إن يعضه من برع في استخدام الغذاء في تركيب الكثير من الأدوية التي أثبتت فاعليتها في علاج الأمراض. وتتوقف هذه السطور مع كوكبة من هذه المؤلفات التي نالت شهرة عالمية واسعة.

منافع الأغذية ودفع مضارها

يعد كتاب “منافع الأغذية ودفع ضررها” لأبي بكر الرازي المؤسس الأول لعلم الأغذية من أهم كتب علم الأغذية في الحضارة الإسلامية. حيث تحدث فيه عن الأطعمة المختلفة ومنافع بعضها مضار الأخرى. ووصف كيف يدفع الضرر بمواد غذائية أخرى تقوم مقام الدواء ، وتحدث عن الحنطة والخبز المتخذ منها. ثم أسهب في استعراض مختلف أنواع الأغذية فيذكر منافع اللحوم والفواكه. وقد عمد الرازي في هذا الكتاب إلى إقران الغذاء بالدواء والداء. ووصف الخواص العلاجية لكل مادة غذائية.

الجامع لمفردات الأدوية والأغذية

مؤلفه هو عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي الملقب بالعشاب والمعروف بالبيطار وهو مؤلف ضخم. ومعجم طبي غذائي علاجي مرتب حسب الحروف الهجائية. من أعظم ما تم تأليفه في علم الأغذية والطب في تراثنا العربي والإسلامي، جمع بين الداء والدواء والغذاء.

واعتمد في تأليفه على مؤلفي الروم والعرب، وتجارب الهنود والمصريين القدماء. إلى جانب ما أضافه أطباء المسلمين كالرازي وابن سينا وابن جلجل وابن وافد من الأندلسيين. وتمكن أن يصف أكثر من 1400 عقار نباتي وحيواني ومعدني منها 300 عقار جديد.د

منهاج البيان

لمؤلفه بن جزلة الدمشقي، أدمج فيه أسماء بعض الأغذية والأطعمة  وعرّفها مقرونة بأسماء المفردات والمصطلحات الطبية. ووصف العشاب الطبية وبيّن خواصها ومنافعها وطرق استعمالها وفوائدها. والكتاب يمثل أحدث ما وصلت إليه الثقافة الطبية في تجربة الأدوية والأغذية مفردة ومركبة في القرنين الخامس والسادس الهجريين في تاريخ الحضارة الإسلامية.

منهاج الدكان

من العلماء المسلمين من برع في تصنيع المواد الغذائية وجعل منها أدوية تستخدم في علاج المرضى. وكان في مقدمة هؤلاء أبو نصر العطار في  كتابيه الهامين “منهاج الدكان ” و “دستور الأعيان في أعمال وتركيب الأدوية النافعة للأبدان”. وبرع في تركيب المصنوعات الصيدلانية من الأغذية كمواد بسيطة مفردة ومركبة لينتج منها الدواء.

الرابط المختصر :