لا يمكن الحديث عن تاريخ الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية والخليج العربي دون أن يتصدر المشهد اسم “البروفيسور” عبد الحليم رضوي؛ ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد رسام، بل كان مؤسس لحركة فنية، وسفير للهوية البصرية السعودية في المحافل الدولية. بدأت حكايته من أزقة مكة الضيقة، لتنتهي أعماله معلقة في كبرى متاحف العالم.
من حارة “أجياد” إلى أكاديميات روما: رحلة الكفاح
ولد رضوي في حارة أجياد بمكة المكرمة عام 1939م، ونشأ في ظلال يتم مبكر؛ حيث فقد والده وهو في السابعة من عمره. لم تكن طفولته لهواً، بل كانت صراع من أجل البقاء، فعمل بائع للحلوى ومطوف للحجاج والمعتمرين ليعيل أسرته. ورغم قسوة العيش، كانت موهبة الرسم تختلج في صدره، تتحين الفرصة لتخرج إلى النور في وقت لم تكن فيه الفنون التشكيلية قد وجدت طريقها بعد في المجتمع.
في عام 1958م، وبعد إتمامه الدراسة الثانوية، اتخذ رضوي قرار غير مجرى حياته؛ حيث سافر إلى إيطاليا في مغامرة جريئة لدراسة الفن أكاديميًا. هناك، عاش حياة قاسية، فكان يطلي الجدران نهارًا ليدرس الفن ليلًا، حتى قادته الصدفة للقاء السفير السعودي آنذاك، الشيخ عبد الرحمن الحليسي، الذي أُعجب بإصراره وضمه للبعثة الحكومية، ليتوج رحلته بالحصول على ليسانس فنون الديكور من روما، ثم الدرجات الأكاديمية العليا لاحقاً.

فلسفة الرضوي: حين يتعانق التجريد مع الموروث
بحسب “ainpedia”تميز أسلوب عبد الحليم رضوي بقدرة فائقة على المزج بين المدارس الفنية العالمية والروح المحلية الأصيلة. استوعب السريالية، التكعيبية، والتجريد، لكنه لم يتركها تغلب على هويته؛ فكانت لوحاته تنبض بحياة أحياء مكة وجدة القديمة، وتجسد قدسية المسجد الحرام والمسجد النبوي.
لم تكن أعماله مجرد ألوان على قماش، بل كانت “شحنات انفعالية” كما يصفها، تعكس تفاعله مع البيئة. فظهرت في لوحاته الخيول العربية الأصيلة، ونوارس شواطئ جدة، والزخارف الإسلامية التي استلهمها من نشأته المكرمة. لقد نجح رضوي في تحويل الحكايات الشعبية، والرقصات الفلكلورية، وزي الفتيات وهن ذاهبات للصلاة، إلى لغة بصرية يفهمها العالم أجمع.
إرث المئة معرض.. بصمة عالمية لا تغيب
سجل التاريخ لرضوي إقامة أول معرض فني في تاريخ المملكة عام 1965م بجدة، لتنطلق بعدها مسيرة احترافية حطم خلالها الأرقام القياسية بإقامة أكثر من 100 معرض شخصي جابت أقطار الأرض، من اليابان وإندونيسيا شرقًا إلى البرازيل والولايات المتحدة غربًا.
وتقديرًا لمكانته، احتضنت متاحف عالمية في الأردن وإسبانيا وإيطاليا وسويسرا والمغرب أعماله. لتظل شاهدة على عبقرية فنان سعودي استطاع أن ينقل “الروح الشعبية” من النطاق المحلي إلى الأفق العالمي.

القيادة والرحيل
إلى جانب ريشته، كان رضوي قائد إداري فذ؛ فتولى رئاسة رابطة الفنانين التشكيليين العرب، وأدار جمعية الثقافة والفنون بجدة لسنوات. وظل مستشاراً وفياً للفن حتى وفاته عام 2006م.
رحل عبد الحليم رضوي، لكنه ترك خلفه مدرسة فنية متكاملة، ومجسمات جمالية تزين ميادين مدينة جدة، ولوحات تحكي قصة طفل يبيع الحلوى في مكة. أصبح يومًا ما “بروفيسور” يدرس الجمال للعالم. ويثبت أن الفن الأصيل هو الذي يستمد قوته من جذوره العميقة.

















