لطالما كانت الفنانة التشكيلية السعودية صفية بن زقر (1940-2024) أيقونة في عالم الفن. ليس فقط لفرادتها كأحد أوائل مؤسسي الحركة التشكيلية في المملكة، بل لتفانيها الاستثنائي في توثيق وحفظ التراث الثقافي الغني لمدينة جدة ومنطقة الحجاز عبر ريشتها.
في حين توجت مسيرتها الفنية، التي امتدت لعقود، بتأسيس “دارة صفية بن زقر” التي باتت منارة للفن والتراث في المملكة.
نشأة وتعليم صقلا موهبتها الفذة
ولدت صفية بن زقر في “حارة الشام” بجدة القديمة عام 1940. وهي بيئة غنية بالتراث ألهمت الكثير من أعمالها المستقبلية.
وفي أواخر عام 1947 انتقلت مع عائلتها إلى القاهرة؛ إذ حصلت على شهادتي الإعدادية والثانوية الفنية. ولم تتوقف مسيرتها التعليمية هنا، حيث غادرت القاهرة نحو بريطانيا لثلاثة أعوام، ثم عادت إلى القاهرة في أواخر عام 1965 لتنمية هواية الرسم من خلال دروس خصوصية.
وأخيرًا التحقت بكلية “سانت مارتن” للفنون في لندن، فأمضت عامين لتنال شهادة في فن الرسم والجرافيك. ما أثرى تجربتها الفنية ووسع آفاقها. حسب موقع “العربية”.

من المعرض الأول إلى “دارة صفية بن زقر”
في حين تعد صفية بن زقر من الرواد الحقيقيين للحركة التشكيلية في السعودية. انطلق مشوارها الفني بمعرضها الشخصي الأول عام 1968 بمدرسة دار التربية الحديثة بجدة، في زمن لم تكن فيه صالات عرض متخصصة.
بعد ذلك نظمت العديد من المعارض الفردية في مدن سعودية مختلفة. مثل: الرياض، والظهران، والجبيل، والمدينة المنورة، وينبع، وأبها.
كما تجاوزت شهرتها الحدود المحلية، لتصل إلى العالمية بمعارض في باريس. وجنيف، ولندن؛ لتسجل ما مجموعه ثمانية عشر معرضًا شخصيًا وستة معارض جماعية. ما رسخ مكانتها كفنانة للتراث السعودي محليًا ودوليًا.
وبعد ثلاثين عامًا من العطاء الفني حققت صفية حلمها بتأسيس “دارة صفية بن زقر” التي افتتحتها عام 2000.
بينما لم تكن الدارة مجرد متحف يضم لوحاتها ومقتنياتها الفنية. بل أصبحت مركزًا ثقافيًا حيويًا يضم مرسمها ومكتبتها الخاصة. ويستقبل الزوار والباحثين، وينظم ورش عمل فنية وتعليمية، ومحاضرات ثقافية للفنانين والمهتمين بالأدب والفنون التشكيلية.

إنجازات وتكريمات
امتدت مساهمات صفية بن زقر إلى ما هو أبعد من لوحاتها. إذ أسهمت في الكتابة الفنية بالصحف المحلية، وألقت العديد من المحاضرات.
كذلك شاركت في تحكيم معارض فنية للأطفال والناشئة. كما كان لها مجلس فني أدبي ثقافي شهري. وانتشرت أعمالها الفنية بمتاحف ومجموعات خاصة في السعودية، والولايات المتحدة، وإنجلترا، واليابان، والسويد، وإسبانيا، ولبنان.
علاوة على ذلك دعمت دارة صفية بن زقر منظمة اليونسكو والجمعيات الخيرية. من خلال بيع أعمالها الفنية لأغراض خيرية.
كما نظمت مسابقات فنية للأطفال، مثل: مسابقة الرسم على جدارية كورنيش جدة “جدة في عيون أطفالها”. والمسابقة السنوية للأطفال، بالإضافة إلى المناظرة الشعرية السنوية التي بدأت في مارس 2003.

بينما من مؤلفاتها البارزة كتاب “المملكة العربية السعودية: نظرة فنانة إلى الماضي” باللغتين الفرنسية والإنجليزية. وكتاب “رحلة عقود ثلاثة مع التراث السعودي” الذي يستعرض أهداف الدارة وأنشطتها.
وأيضًا كانت عضوًا مؤسسًا في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وبيت التشكيليين في جدة. وعضوًا في بيت الفوتوغرافيين.
أسلوب فني فريد و”موناليزا الحجازية”
تنبهت صفية بن زقر مبكرًا إلى التغيرات الكبيرة في الحياة اليومية التقليدية. ما دفعها لتوثيق التراث عبر لوحاتها بأسلوب “التأثيرية الصادقة”.
كما ركزت على إظهار التفاصيل الدقيقة للجوانب المتعددة للحياة الاجتماعية في محيطها وبيئتها المحلية. وتطور أسلوبها متأثرًا بفنانين كبار. مثل: جيوتو فرا أنجيليكو وسيزان، وحتى فن شرق آسيا، لكنها نجحت في تطوير أسلوبها المستقل الذي يتناسب مع مظهرية التراث المستوحى في أعمالها.
وكانت تعتمد على الرسوم الأولية السريعة من الصور الفوتوغرافية. وتستعين بالمراجع والكتب وقصص الأجداد لغزارة إنتاجها.
في حين من أشهر لوحاتها “موناليزا الحجازية”، وهو الاسم الذي أطلقته عليها بعض الصحف العربية في باريس. ما يعكس مدى تأثير وعمق أعمالها.

تكريم ملكي ومتحف عالمي
حظيت صفية بن زقر بتكريم رفيع المستوى، فاختيرت شخصية ثقافية لمهرجان الجنادرية 31 في عام 2016، وكرمها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ومنحها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى.
كذلك يحتضن المتحف البريطاني بلندن العديد من أعمالها. بما في ذلك ألبوم يضم 38 صورة إتشنج “حفر”، وثقت من خلالها التراث الملبسي في السعودية. لتكون المرة الأولى التي يعرض فيها المتحف البريطاني أعمالًا تجسد التراث الملبسي لمختلف مناطق المملكة.
في عام 2016 أعلنت الفنانة صفية بن زقر إيقاف بيع لوحاتها، مؤكدة أنها أصبحت ذات قيمة بحثية لطلاب الدراسات العليا بالجامعات السعودية. إذ استخدم أكثر من 160 باحثًا لوحاتها وملابسها في المتحف لأغراض أكاديمية.


















