مراحل حياة

صبحة بغورة تكتب: القلب المكسور

تحمل العديد من القصص المكتوبة والروايات السينمائية، مواقف كثيرة مفعمة بشحنة أحاسيس عاطفية يجيد كتابها حقًا نسجها دراميًا وربطها بمنطقية ومهنية رائعة تكاد تقارب الواقع.

وبقدر ما تزخر به من المشاعر المتأججة حبًا وهيامًا، وبقدر ما تكون عامرة بالمشاعر الرهيفة والجميلة التي تهتز لها أوتار القلوب الرقيقة؛ بقدر ما تحقق تفاعل المتابعين مع أبطالها وتجاوب جمهور المشاهدين مع مواقفها وتأثرهم بتطورات أحداثها.

وفي الحياة الواقعية، ما هو أكثر وأعجب، بعضها عرف نهاية سعيدة أراحت النفوس وفرحت القلوب، وبعضها الآخر انتهى إلى فراق حزين تدمع له العين وإلى مصير أليم تنقبض له النفس، والمفارقة أنه في الحالتين يظل الحذر مطلوبا؛ حيث يخشى التعرض لمتلازمة لا توجد في الروايات فقط بل في طب القلوب إنه مرض “القلب المكسور”.

تكاد تقتصر الإصابة بهذا المرض على النساء المسنات فوق 60 عاما بنسبة 90 بالمائة تقريبًا، وتتشابه أعراضه مع أعراض الأزمة القلبية، غير أنه ليس خطيرًا إلى هذا الحد.

والملاحظ أنه قبيل الإصابة به، غالبا ما يكون المرضى قد تعرضوا بالفعل لحادث أليم، كوفاة عزيز لديهم أو مقرب منهم، أو حدوث انفصال عن شريك الحياة.

وتعد أعراض هذا المرض مخيفة؛ حيث تظهر في صورة وجود ضيق في التنفس وآلام في الصدر وشعور بالغثيان؛ لذا تعتقد النساء اللاتي تظهر عليهن هذه الأعراض أنهن قد أصبن حقيقة بأزمة قلبية وكذلك يكون الأطباء في بادئ الأمر يذهبون إلى نفس الاعتقاد خاصة بعدما تبين نتائج الفحوص الأولية ومخطط رسم القلب ECG أنها نفس النتائج الدالة على الإصابة بالأزمة القلبية، فيتم بناء عليها إجراء عملية القسطرة لقلب السيدات المصابات، ثم يتبين الأطباء بعدها أن هذه الأعراض ليست أعراض لأزمة قلبية لأن الدم باق يتدفق في الشرايين التاجية للقلب بصورة طبيعية وأنه ليس هناك أي انسداد أو انغلاق جزئي، غير أنه لوحظ أن هناك جزء من القلب لم يعد يتحرك.

ما زالت الصورة السريرية لمتلازمة القلب المكسور حديثة إلى حد ما، وقد تم وصف هذا المرض للمرة الأولى عام 1991 بعد زلزال وقع في اليابان وفي أوروبا وأمريكا، وتم نشر التقارير العلمية الأولى عنه مطلع الألفية الجديدة، ولم يكن هناك حتى عام 2006 أي تعريف دقيقًا لهذا المرض.

تؤكد البحوث الطبية أنه ربما يكمن سبب الإصابة بهذه المتلازمة في هرمونات التوتر التي يفرزها الجسم عند التعرض لحادث أو موقف يثير في النفس مشاعر الإثارة، وأنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الحادث حزينًا، سيئًا أو سلبيًا على الدوام، فأحيانا تكفي إقامة حفلة مفاجئة كعيد ميلاد أو إحياء ذكرى منسية أو سماع خبر وقوع حادث مثير في العائلة أو الحي أو المدينة للإصابة بالمرض، لأن الإثارة التي تنتاب الشخص وتغشى حواسه بعد سماعه مثلا خبر فوزه بجائزة مالية ضخمة؛ يمكن أن تؤدي إلى إصابته بمتلازمة القلب المكسور.

وقد ثبت أن غالبية المريضات المصابات بهذا المرض؛ عايشن بالفعل أحداثًا أليمة امتد نطاقها الجغرافي من حوادث المرور في الأحياء المجاورة وشوارع المدينة، مرورًا بالكوارث الطبيعية الكبرى، كحريق الغابات المجاورة ووقوع الزلازل، وصولًا إلى وفاة أحد المقربين إلى القلب سواء من الأهل أو الأصدقاء.

الاعتقاد السائد أنه ربما تفرز الغدد فوق الكلوية لدى المريضات الكثير من هرمونات التوتر؛ حيث يحدث انفجار هرموني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبناء عليه تنتشر هرمونات الأدرينالين والدوبامين في دم المريضات بتركيز عالي جدًا لا يستطيع القلب أن يتحمل الكميات الكبيرة من الهرمونات المتدفقة بكثرة دفعة واحدة، فيتوقف جزء منه عن أداء وظيفته.

ويمكن أن يرجع السبب في إصابة السيدات المسنات بصفة خاصة بهذا المرض إلى الانخفاض المستمر في نسبة الهرمون الجنسي لدى المرأة “الأستروجين” لأنه يوفر في المعتاد حماية القلب، والجيد في الموضوع أن جميع المريضات المصابات بمتلازمة القلب المكسور تقريبًا تكتب لهن النجاة ولا يتعدى معدل الوفاة 3 بالمائة، وبالإضافة إلى ذلك يشفي القلب من تلقاء نفسه وتتلاشى التغيرات بشكل تام وعلى الدوام في غضون أسابيع قليلة، وقد لا يبقى منهن سوى من تستدعي الضرورة وضعهن تحت الملاحظة الطبية بضعة أيام لمراقبة عدم حدوث مضاعفات، مثل اضطرابات نظام نبض القلب.

ويبدو أنه قلما يمكن الوقاية من متلازمة القلب المكسور، كما أن لا شيء يمكن أن يضمن عد م تجدد الإصابة به أو تقدير مدى خطر معاودة الإصابة بمتلازمة القلب المكسور، والسبيل المتاح حاليًا هو خضوع المريضات ومن هن في سنهن من السليمات أيضا للعلاج النفسي؛ بهدف إكسابهن كيفية تلقي الأخبار السيئة والمفرحة للامتصاص وقع المفاجأة، وتعليمهن مهارات التوقع للتعامل السليم وبدون توتر مع مشاعر القلق واضطراب الحواس.

لاشك أن تنمية الجانب الروحي خاصة لدى كبار السن سيكون محل ترحيب وارتياح كبيرين ومحل تجاوب أكبر، وسيحدث أثره الإيجابي سريعًا خاصة أن وجود احتمال قوي أن يكون لديهم فسحة واسعة من الوقت هو احتمال وارد جدًا، وستكون الفرصة أمامهن متاحة بسهولة، خاصة إذا خفت عن كاهل معظمهن أعباء التربية وهموم المنزل.

الانتظام في العبادة وحضور دروس التفقه في الدين ودراسة السيرة النبوية الشريفة؛ كلها تطهر النفس وترسخ الرضا والقناعة وتسمو بالروح، فيتم تلقي ما يستجد من أخبار مهما كانت طبيعتها بصبر جميل وبإيمان قوي يعكس في الواقع صلابة النفس ورباط الجأش التي ستقي بكل فعالية كل القلوب من خطر الكسر والإنكسار.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: دور الأم مع الطفل بطيء الفهم

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى