لايف ستايل

صبحة بغورة تكتب: الزواج.. شركة أم شراكة

بعد اعتراف معظم التشريعات والقوانين بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل ثم تأكيد حقها الدستوري والقانوني في ممارسة العمل وفي تولى أعلى مناصب المسؤولية التربوية والمهنية والإدارية والسياسية وفي ممارسة العمل النقابي والتمثيل النيابي بالبرلمان؛ ظهرت مع انشغال المرأة المستمر خارج منزل الزوجية العديد من المشاكل الأسرية.

وكانت في مقدمة هذه المشاكل، المحاسبة على تأخرها في العودة للمنزل، ونتائج إهمال تربية الأطفال، وعدم تخصيص الوقت الكافي للاعتناء بشؤون الزوج، والكثير من الأمور الأخرى التي جرى اعتبارها من قبيل الإهمال الأسري الناتج عن الغياب أو التعب.

ثم برزت ظاهرة حاجة الزوج للاعتماد على الراتب الشهري لزوجته في الصرف على المنزل؛ ومنها تفاقمت الكثير من المشاكل التي أدت سريعًا إلى الطلاق على الرغم من أن القضية لا تزال محل جدل واسع، وهذا بسبب أن الزوجة تحس أن حقوقها قد أهدرت بعد قيام الزوج بالسيطرة على أموالها للإنفاق وهو أمر مكلف به هو شرعًا؛ إذ أنصفت القوانين المرأة بعدم التعرض لأموالها، ويذهب الجدل إلى حد التشديد على أن الزوج هو المنوط بالإنفاق وإلا فما معنى القوامة؟

ومن جانب الزوج، يلتمس البعض له الحق في راتب زوجته تحت وطأة الحاجة والظروف الاقتصادية الصعبة والأوضاع السيئة، ثم يحتد الجدل القائم حول راتب الزوجة ليذهب إلى أقاصي بعيدة حين تثور مسألة أن حق الزوج في اقتسام الراتب مع زوجته هو ثمن تدفعه الزوجة مقابل تغيبها عن المنزل، وكيف أن عمل المرأة أصبح شرطًا يطلبه بعض الرجال لإتمام الزواج في حين يتغامز آخرون بأن تعرض الزوج لأموال زوجته يعد نوعا من الإهانة له شخصيا ومساسًا شديدًا برجولته.

القضية أخذت أبعادا شديدة الحساسية بعدما صارت معظم قضايا الطلاق سببها الخلاف على من ينفق على البيت، مع أن المتفق عليه أن عمل المرأة حق لها يؤمن استقلالها المادي، فهي تقبض راتبها الشهري أو أجرة عملها من الوظيفة التي تشغلها وأن مالها هو نتيجة جهدها وتعبها أو أنها تتحصل عليه من أشكال الفوائد البنكية أو الريع العقاري؛ لذلك فهي تملك حق التصرف فيه بدون وصاية من أحد أو تدخل، ويمكنها أن تشتري ما يحلو لها كما يمكنها أن تسهم بالقدر الذي تراه مناسبا في بعض مصاريف البيت ونفقات الأطفال.

وغالبًا، لا تبخل الزوجة بالمشاركة في تحمل مصاريف الأسرة وشراء بعض المستلزمات ودفع فواتير الهاتف والكهرباء، ولكن يحدث أن يرى الزوج حقا له في راتب زوجته، مبررًا ذلك أنها تذهب إلى العمل وتغيب عن منزلها على حساب راحته وأنه لولا موافقته على عملها لما كان لها راتب.

الاعتقاد أن الاتفاق الودي المفعم بالثقة المتبادلة في الرأي، هو أول خطوة نحو الإقبال على المشاركة الايجابية المطلوبة بين الزوجين في مختلف المجالات، والأصل أن الأمر متروك لتقدير الزوجة العاملة وهي التي تقيم حجم مساهمتها، والزوجة الواعية يمكنها أن تقوم بهذا الدور انطلاقًا من غيرتها على حياتها الزوجية وحرصها على تماسك أسرتها في ظل الظروف الحياتية الصعبة وغلاء المعيشة.

لن يُرضي الزوجة أن ترى أطفالها محرومين، وستسارع بكل حرية في اقتناء المشتريات اللازمة من باب المشاركة باختيارها وإراداتها، وبهذا التصرف تثير في زوجها غيرة الرجال وتوثبه لتحمل كامل المسؤولية دون طلب المساعدة من أحد حتى لو كانت زوجته؛ لأن هذا في حد ذاته نراه يرضي إلى حد بعيد غروره وكبريائه.

المسألة إذن تستند في البداية والنهاية إلى مقدار الثقة المتبادلة بين الزوجين التي إذا انعدمت نبتت السلوكيات الهدامة للعلاقة الزوجية التي أساسها التوافق والتفاهم، فيفتك الهوان بكل زوجة تقبض راتبها الشهري باليد اليمنى وتمده كاملًا لزوجها باليد اليسرى صاغرة يتصرف به كما يشاء، كما سيبقى يلازمها الشعور بأنها قاصر ولا تملك حرية التصرف بمالها، ولكن من جانب آخر، ماذا لو تملك الزوج شعور بأن زوجته أنانية وأن حبها لذاتها يفوق بكثير حبها لأسرتها؛ لاشك أن العلاقة الزوجية ستهتز بشكل يهدد تماسك الأسرة، وسيزيد الوضع سوء في المجتمعات الريفية المحافظة والمتشددة في تطبيق العادات والتقاليد التي ترى أن الزوج النبيل يصعب عليه كرجل أن يأخذ شيئا من راتب زوجته، وأن الرجل الذي يأكل من عرق زوجته يعيبون عليه فيقولون عنه “زوج الست” بمعنى أن وجوده ليس كشريك رئيسي يتحمل مسؤولية البيت.
بالعودة إلى المرجعية الدينية، يؤكد الإسلام أن الحياة الزوجية تقوم على أساس المودة والرحمة، حيث أعطى كلا الزوجين حقوقا مشتركة بينهما، والرأي السائد أن راتب الزوجة له أحوال، فإذا كان الزوج محتاجًا وهي تعلم حاجته وتطوعت للعمل واختارت أن تعطيه راتبها فلا حرج، كما يجوز الاتفاق بينهما على عمل الزوجة، والأساس هنا هو حسن المعاشرة وعلى اعتبار أن مابين الزوجين أكثر من المال.

والقاعدة الشرعية ترتكز على أن للمرأة كامل الحرية في التصرف باعتبار أن الإسلام يساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق، وهو الذي كرم المرأة ومنحها مكانتها في المجتمع؛ لذا فإن الشرع يمنح المرأة حرية التصرف في مالها، كما أن توكيل الزوج لاستلام راتبها مسألة ترتبط بإرادتها ولا يجوز للزوج أن يجبرها على التنازل عن حقها، وإن أموالها التي يؤخذ منها دون رضاها وبغير موافقتها تعتبر “سحتًا”.
يقودنا الحديث حول سيطرة الزوج على مال الزوجة العاملة عن بروز نوع جديد من العنف الممارس على المرأة الناتج بدوره عن اتساع دائرة العنف في المجتمع، وهو العنف الاقتصادي الذي أصبح يمثل نسبة كبيرة من مختلف أنواع العنف.

ويقصد بالعنف الاقتصادي، أن يقوم الزوج بمنع الزوجة من التصرف بالمال حتى ولو كان مالها الخاص وحرمانها من معرفة الدخل العائلي ومحاسبتها على كل ما تصرفه.
تتفق مواثيق حقوق الإنسان مع أحكام الشريعة الإسلامية في التأكيد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وفي كل ما يخص الكرامة الإنسانية والمكانة الاجتماعية وموجبات المسؤولية، ومن هذا المنطلق، اقتضت الفطرة الأصلية أن يكون كل من الرجل والمرأة شريكًا للآخر في واجبات عمارة الحياة الإنسانية يتقاسمان بينهما جهودا متكافئة، وهذا يدفعنا مباشرة على الاعتقاد أنه بموجب نفس المنطق فإن ثمة أعباء تلقى على المرأة تجاه الحفاظ على أسرتها وعليها مواجهتها دون فضل منها، والاعتراف بوجود هذه الأعباء، وبوجوبها على المرأة يسقط مبرر النقاش حول مسألة حريتها في مالها وعدم مشاركتها في نفقات البيت.

ومع ذلك، نقول للمرأة السوية: “يجب أن تحذر من الرجل الذي تشعر بأن عينه على مالها منذ البداية”، ومن الممكن أن يكون هناك تعاون واشتراك في تحمل مسؤوليات الحياة الاقتصادية على أساس الحب والاحترام والثقة والعطاء، وتفوق المرأة الاقتصادي لا يجعل الرجل الواثق في نفسه يشعر بالحرج والقلق، والزوجة المخلصة الواثقة بقدراتها تكن لزوجها احتراما وحبا لا يشعره اطلاقًا بتفوقها المادي، ومن المستحب وجود تكافؤ اقتصادي بينهما على أن يتحمل الزوج الجزء الأكبر من الأعباء.

 

اقرأ أيضا.. صبحة بغورة تكتب: الباحثون عن الحب

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق