مراحل حياة

صبحة بغورة تكتب: الحياة بلا زينتها!

قد تضع الأقدار الزوجة الشابة أمام امتحان صعب، عندما تكتشف أنها ستكون محرومة من إحساس الأمومة، وسواء كانت عاقر غير قادرة على الإنجاب أو كان زوجها عقيم فإن استمرار حياتهما الزوجية قد يعود إلى تقبلهما الوضع والصبر على مرارته، أو أن لا يتحملان جحيم ما ينغص عليهما حياتهما.

بكل تأكيد، إنجاب طفل ومناغاته وتدليله، هو غاية تأسيس أي أسرة وهو حلم يراود كل رجل وامرأة، فالرجل لديه من الدوافع النفسية والاجتماعية ما ينمي في داخله رغبة ملحة في الإنجاب تعود إلى ما ترسخ في عقلية الرجل العربي بالعزوة والحفاظ على الميراث في الإطار العائلي الكبير وغير ذلك من الآمال المرتبطة بإنجاب الذكر ولي العهد.

ومن أشد ما يشكل نقمة على حياة الزوجين أن تكون الزوجة غير قادرة فعلا على الإنجاب؛ إذ لا يتقبل الكثير من الأزواج الاستمرار في الحياة مع الزوجة العاقر، بينما لا تتعجل الزوجة حسم أمرها مع زوجها العقيم وتحاول دائما التخفيف عنه للحفاظ على بيتها، وهي تأمل أن يفرج الله تعالى كربها بمشيئته.

قد تضحي المرأة بغريزة الأمومة من أجل أن تستمر مع زوجها وحبيبها حتى لو ثبت أنه عقيم، بينما في أغلب الأحيان لا يطيق الرجل صبرا ـ حتى ولو كان متزوجا عن حب ـ على تحمل ضغط العادات والتقاليد ونظرات الانزعاج على المستوى العائلي والاجتماعي ولو كان واقع حياته الزوجية يعكس كل مظاهر الحياة السعيدة والمستقرة في غياب الأطفال.

يعتبر عقم المرأة أصعب بكثير من عقم الرجل الذي إن لم يكن متفهما للحالة ومستعدًا لرحلة علاجها بالصبر، فإن حبل الحب والمودة والرحمة ينقطع، ومعروف طبيعة الأثر النفسي السيئ على المرأة العاقر؛ حيث تعاني من شعورها بالدونية وفقدان الثقة في نفسها كأنثى كاملة وهي عاجزة عن تلبية نداء فطرتها في أن تصبح أم.

ويحدث أيضًا، أن تتضخم المشاعر وتدخلها في حالة حزن بالغ واكتئاب شديد يدفعها إلى العزلة وفقدان الشهية والرغبة في كل شيء، والأشد ألما أن تكون الزوجة سليمة وكاملة ثم تتعرض إذا تأخر حملها لمشاكل عديدة مع زوجها، وأهله يرمون بالمسؤولية كاملة عليها ويتهمونها بالعقم.

وعليها، وهي في بداية حياتها الزوجية أن تتحمل وحدها في صمت ألم الضغوط النفسية حتى تكاد تشعر بالذنب وهي تواجه نظرات الشفقة من محبيها والشماتة والاحتقار من كارهيها على أمر لم يتم التأكد منه بعد وليس ليد الإنسان دخل فيه، فضلًا عن سماعها العبارات الجارحة لكبريائها وكرامتها وكيانها الأنثوي كونها السبب في حرمان زوجها أن يصبح أب.

ثم تكتمل المأساة بالحديث عن الطلاق، وهنا تبرز ردود فعل غربية من بعض الزوجات؛ حيث توجه مشاعرها نحو الذات وتزداد لديهم مظاهر الأنانية والاهتمام الزائد بالمظهر الخارجي والاندفاع لشراء الملابس بشكل مبالغ فيه، وكأنها تحاول من كل أعماقها أن تعوض فراغها الداخلي الهائل.

وفي حالات أخرى تبدو غاضبة، عصبية المزاج، توجه عدوانها نحو زوجها أو نحو أهلها، وكأنها تتهمهم بأنهم السبب في أنها جاءت للحياة غير مؤهلة بطبيعتها الأنثوية للقيام لدورها الطبيعي، أو أن تستبد بها الأفكار الشيطانية لتعتقد أن طريقتهم في التربية أثرت عليها فأصبحت عاقر، فتدخل بذلك في “صدمة العقم” التي تقع عندما تتأكد المرأة من استحالة الحمل وتبقى أسيرة حلقة من الانفعال والتسلط والصراع الداخلي الحاد مع ذاتها ومع من حولها، وإما أن تزيد عدوانيتها أو تلجأ إلى الانسحاب والانطواء، إلا أن بعض من الكبرياء يمكن أن يغلب على الزوجة “العنيدة” التي تلجأ إلى الإنكار كحيلة نفسية دفاعية حين تدعي عندما تحاصرها الملاحظات أنها لا تفكر إطلاقا في موضوع الحمل، ولذلك لا تتأثر بتأخره وأن ما تعانيه من مضاعفات جسدية ليست لها علاقة بالموضوع.

إن الضغط على الزوجين من أجل الإنجاب، سلوك اجتماعي متوارث يعود للموروث الثقافي الذي يحث على سرعة الإنجاب وكثرة الذرية، للتأكد من أجل ضمان استمرار تخليد ذكرى الأجداد وبقاء العائلات، وفي نظر بعض المجتمعات فإن الطفل هو الذي يوثق الزواج ويدفع بوجوده إلى زيادة الرابطة بين الزوجين.

يحدث أن يؤدي عقم الزوج إلى قيامه بالإغداق على زوجته بكثير من مشاعر الحنان والعطف ليعوضها عن مشاعر الأمومة، ويسعى بكل السبل إلى إرضائها بالهدايا والتنزه معها، ويشركها في رحلة بحثه الجادة عن العلاج؛ ليجدد فيها الأمل في إمكانية حدوث الحمل والإنجاب.

أما أسرته، تتعامل مع الزوجة بكل احترام وتبجيل وعرفانا بتضحيتها بأغلى أمنية في حياتها، معربين لها دائما أن إرادة الله تعالى فوق كل شيء وأن عدم الإنجاب ليس نهاية المطاف، والواقع أن مثل هذا السلوك الراقي يرضي كثيرًا الزوجة لأنها لا تفكر في الانفصال عن زوجها.

المرأة مضحية بطبعها، ويمكن أن يملأ حياتها الرجل ولو بدون أطفال إذا كانت عشرته طيبة، وهي لا تريد أن تحمل لقب مطلقة، خاصة إذا كانت لا تزال شابة صغيرة في السن، ولأنها ليست صاحبة القرار في الزواج مرة أخرى فقد تخسر حياتها الزوجية ولا يتقدم للزواج منها أحد.

إذا كان الإنجاب في الكثير من المجتمعات ضرورة حتمية لكل علاقة زوجية، فليس بالضرورة عندما يقف القدر بالمرصاد في وجه الزوجة يحرمها من الإنجاب أن تدخل علاقتها مع زوجها في متاهات لا حدود لها، أو أن تصاب بالشعور بالمرارة والضعف عندما تكتشف أنها عاجزة عن تحقيق دورها الأساسي في الحياة؛ إذ يمكن أن يخف أثر ذلك على نفسيتها إذا كانت العلاقة الزوجية مبنية على التوافق الفكري والثقافي والانسجام الروحي والعاطفي.

لكن، لا سبيل لنكران أمنية كل رجل في التمتع بالشعور بالأبوة، وأن تملأ زوجته حياته بالأطفال، أو حقه في أن تلد زوجته له منه أطفالا يتمتعون بثمرة كفاحه في الحياة، ويرثون عنه ما اجتهد فيه.

لذلك، فليس مستبعدًا أن يصاب الرجل المحروم من الأطفال بالاكتئاب الحقيقي بعد أن يداعب أطفال اخوته وأبناء الجيران والأصدقاء، ثم تتحول مشاعره عن زوجته ويبدأ بالتفكير في الطلاق، وسيكون الأمر نفسه بالنسبة للمرأة التي تقع تحت ضغط أوليائها بتذكيرها بحقها في الأمومة وإلحاح أهلها على تطليقها والارتباط برجل آخر يحقق لها أمومتها المفقودة.

الحقيقية، أن المرأة والرجل لهما نفس الحقوق وعليهما نفس الواجبات، ومن حق كل طرف إشباع غرائزه، سواء كانت الأبوة أو الأمومة، والمصبحة بغورة تكتب: تطوير الذات وتعزيز الإيجابية لدى الأطفالرأة من حقها طلب الطلاق إذا ثبت عقم زوجها وتغلبت عليها رغبتها في إنجاب الأطفال، وعلى الزوج في هذه الحالة أن يحقق لها هذه الرغبة دون تعنت، كما على المرأة أن تتقبل دواعي زواجه من أخرى لتحقيق نفس الرغبة.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى