تحت العشرين

صبحة بغورة تكتب: البيوت أسـرار.. هل الأطفال هم مفاتيحها؟

لم يكن يسمح للأطفال قديما بالتواجد في مجالس الكبار، بل وكان يعد ذلك من الممنوعات ومن المؤاخذات أيضا التي تحسب على أهل الدار، حتى وإن فرضت الظروف إبداء بعض الترحاب بالأقارب؛ فإن الأمر لا يتعدى بضع دقائق التي تكفي ليتعرف الأبناء على أهلهم وأقاربهم، ويطمئن هؤلاء على صحة أبناء العائلة الكبيرة ومسارهم الدراسي ثم ينصرفون إلى غرفهم في هدوء.

هذا سلوك ثابت وراسخ في الكثير من الأسر التي تعي أهمية الحرص على تطبيق هذه القواعد التربوية منذ نعومة أظافر أبنائها؛ لتجنبهم حضور حوارات تفوق مستوى وعيهم أو مناقشات قد لا تكون مفهومة وتتجاوز إدراكهم، أو قد يسمعون ما لا يليق لهم ثم يتناقلونه مع أترابهم من باب التفاخر بالانفراد بالعلم.

وكلما حدث الانبهار الطفولي بنوعية المعلومات، كان حسن الاستماع أطول؛ مما يشجع على المزيد من الكلام دون قصد أو إدراك أن ما يقال أمر خاص لا يجوز أن يطلع الآخرون عليه ولا يجب تبليغه لأحد، فيحدث الإفشاء المقيت للأخبار والمعلومات، وربما الآراء على نطاق واسع الذي قد يمتد إلى أوساط أخرى لا يروقها ذلك؛ فيحدث الانهيار في العلاقات.

طبيعي أن يقود دخول الأولياء في نقاش جاد حول مواضيع حساسة وقد تكون سرية أمام أبنائهم إلى أن يتناهى إلى علمهم ما يدفعهم إلى ما لا يحمد عقباه، فبراءة الأطفال قد تدفعهم إلى رواية ما سمعوه أمام أشخاص آخرين، ومنها المشاكل التي تنشب بين الزوجين بصوت عالٍ دون مراعاة لوجود الأطفال بالبيت.

هذه المشاكل، تؤثر بعمق في نفسية الأطفال، فهي تمثل رواية كاملة تفضح تفاصيلها على لسان الأبناء أدق العلاقات الزوجية سواء لأهل الزوج أو لأهل الزوجة أو حتى للغرباء، وفي كل الأحوال فإن حرج الموقف سيكون هو السائد ولن ينفع معه التمويه أو الإدعاء بأنه كان في الأمر مزحة، وهكذا سينتقل الشجار الذي وقع بين الزوجين إلى شجار مع المتسبب في إفشاء السر، والعبرة هنا في حسن التربية وإجادة التوجيه؛ حيث يوجد من الأطفال من يأبى بمحض إرادته أن يتفوه بأي كلمة خاصة عندما يسأله أحد عن تفاصيل حياة أسرته داخل المنزل.

إن من أهم الأسباب التي تدفع الطفل إلى إفشاء أسرار المنزل شعوره بالنقص، أي أنه غير مهم ومحروم من العطف والرعاية في محيطه، فتتشكل لديه رغبة جامحة في تعويض ذلك بأن يكون محط الأنظار والانتباه والإعجاب، وأن يحصل على أكبر قدر الالتفاف حوله والحرص على سماعه.

والطفل ضعيف الشخصية يحاول تعويض ذلك أيضًا بالحديث عما يخص الكبار وتقليد أفعالهم ونقل تصرفاتهم، وكأنه بذلك يدمج نفسه في منظومة المجتمع بمحاولة إظهار أو اثبات شخصيته.

ويمكن أن يكون للتنشئة الاجتماعية الحذرة ما يدفع الطفل إلى محاولة التجريب على خلفية ما هو ممنوع مرغوب، فأسلوب التحذير المبالغ فيه وتخويف الأطفال من عاقبة نقل أي أسرار منزلية وسرد مواقف تجري في البيت؛ تدفع الطفل إلى تجريب هذه النتائج وتجريب ما يمنع عنه و يحذر منه.

ويحمل الطفل من حديث الكبار عن أمور الآخرين خلال جلسات الفضفضة الكثير من الأخبار إما بشكل مباشر أو من خلال المكالمات الهاتفية المطولة؛ حيث يرتفع الصوت كلما زادت مدة المكالمة وحضور الأطفال يدفعهم عادة إلى التقليد خاصة وأن طبيعة معظم المجتمعات تميل إلى الاستماع للأطفال بشكل جيد، ولعلمهم أن براءتهم لا تكذب فهم يرحبون كثيرا بافشاءاتهم دون منعه في الحال ويحيطوه بالاهتمام حبا في معرفة سر البيت. وبالتالي يتم تشجيع الطفل دون علم أهله على الاستمرار والتمادي في هذا الأسلوب.

من أصول التربية، أن يتم تعليم الطفل أن إفشاء أخبار المنزل من الأمور الممنوعة والتي ينزعج منها الناس، لأنها أمور خاصة جدًا لا يجب أن يطلع عليها حتى الأقرباء والأصدقاء، وكلما التزم بهذه الواجبات يتم الثناء عليه والانتباه جيدًا لما يقوله وإبداء المزيد من التقدير لذاته.

وعلى الوالدين أن يلتزموا أيضًا بعدم إفشاء أسرار الغير أمامه، وأن يتجنبا العنف في معالجة أي زلل يصدر من الطفل نتيجة سهو، مع ضرورة التنبه إلى وقف اللوم المستمر وتوجيه النقد وإحاطته بالأوامر، وتغيير طريقة الاحتجاج على تصرفاته بعدم الحديث معه لمدة ساعة مثلا مع إعلامه بسبب ذلك، ومراعاة عدم المبالغة في العقاب حتى لا يفقد العقاب قيمته الردعية ثم يعتاد عليه الطفل.

ومن الأهمية إشعار الطفل بأهميته في الأسرة، وبأنه عنصر له قيمته وتقديره وأن رأيه أو وجهة نظره محترمة ومسموعة، ويمكن جدًا الأخذ بها مع توجيه الشكر له على اهتمامه بشؤون الأسرة واجتهاده في اقتراح ما يراه مناسبا لمعالجة وضع ما، والتأكيد على أنه فرد يجب أن يطلع على تفاصيل العائلة وعلى ما يدور بداخلها وليس في هذا حرج؛ لأنه لا يستقيم أن نؤكد له مكانته المهمة في أسرته ثم نخفي عنه أخبارها، بل إن ذلك سيساهم في تعزيز ثقته بنفسه ومنه سيكون للوالدين مصداقية كبيرة جديرين بها في نفسه.

ومن كل ذلك، سينعم البيت بالسكينة والصفاء، ولا شك أن زرع الآداب الدينية والأخلاق الحميدة في نفس الطفل كحفظ الأمانة سواء كانت مادية أو مالية أو شفوية وعدم الكذب وحب الآخرين كحبه لنفسه والحرص على عدم إفشاء الأسرار مهما كانت قيمتها وكان مصدرها، وستشكل هذه الآداب وازع قوي في نفسه يكبح ميله غير السوي ويساعد على تهذيب سلوك،ه فيجعله يحرص أشد الحرص على كتمان أسرار بيته وخصوصية أهله.

                                                                                                                 صبحة بغورة
                                                                       متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: رغبات الأبناء بين الاستقلالية والتحكم

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق