يحرص الشعب الجزائري، ككل الشعوب الإسلامية، على الاحتفاء بشهر رمضان الفضيل، وإحياء أيامه ولياليه صيامًا وقيامًا. وابتهالًا وتضرعًا طمعًا في واسع رحمة المولى عز وجل، ورجاء عظيم مغفرته. ولعل ذلك وراء الترقب الشعبي الذي يصحب ما تعلنه لجنة الأهلة في ليلة الشك بشغف كبير. وشوق لاستقبال بركات الشهر الكريم، واستعدادا للتحليق الروحي في ملكوت الرحمن.

العولة والتحضيرات الرمضانية

تستقبل العائلات شهر الصوم في أجواء مميزة، وبطقوس احتفالية مفعمة بالنفحات الإيمانية متشوقين له كضيف عزيز يجلب معه الرزق والبركة. وتتمسك السيدات بالعادات والتقاليد المتوارثة التي لا نشاهدها ونتمتع بمعايشتها إلا في شهر رمضان كتخزين المؤونة الخاصة بأطعمة الإفطار. التي تسمى “العولة”.
وهي عادة شعبية تساهم في ترشيد نفقات الأسر الجزائرية وتقيها حرج مواجهة أي ظروف طارئة. وتتمثل أساساً في القمح المطحون المستعمل في إعداد طبق شوربة الفريك، وتحضير الطماطم المصبرة والمجففة. وتجهيز البهارات والتوابل التي تتفنن النساء في تحضيرها بطرق تقليدية في مظاهر بهيجة يتضامن فيها الأهل.
والجارات اللاتي يتحلقن حول الطاحونة الحجرية لإعداد رأس الحانوت والفلفل الأحمر والكزبرة مع الثوم وزيت الزيتون. ويتقاسم خلالها الجميع مواسم فرحتهم بقدوم الشهر العظيم.
هذا إلى جانب تحضير الكسكسي بأيادي نساء محترفات، ثم يجفف بكميات كبيرة ليصبح قابلًا للطهو طوال أيام شهر رمضان. وكذلك إعداد الشعرية والقطايف، وهي عادات موسمية تبدع النسوة في تقديمها خلال السهرات الرمضانية وفي وجبة السحور.
ومن العادات الشهيرة تقطير ماء الورد بكميات كبيرة يجري توزيع جزء منها على الجيران والأحباب احتفاء بقدوم شهر الصوم المبارك. وذلك لاستعماله في تحضير الحلويات الخاصة بالسهرات الرمضانية كالقطايف والبقلاوة والزلابية. علاوةً على استعماله كنكهة مضافة للقهوة والشاي، وهي عادة متوارثة تعبق بنسماتها ورائحتها الزكية كل البيوت.

رونق الإفطار في الجزائر

وتعكف معظم الأسر والعائلات قبيل قدوم الشهر الفضيل على ترميم منازلها وإعادة طلائها، وإجراء حملة تنظيف واسعة وعميقة. وتقوم النسوة بتغيير الأفرشة والستائر ووضع أخرى جديدة تشترى خصيصاً لهذه المناسبة.
وكذا تبديل أدوات الطبخ وأواني تقديم الطعام واقتناء الأواني الفخارية والخشبية التي تستعمل مع النافخ لطهو بعض الأطعمة الشعبية التقليدية على الفحم. كأنواع معينة من الخبز مثل المطلوع، والكسرة، وخبز الدار المزين بالسمسم والحبة السوداء. ومن العادات المباركة صباح أول أيام الشهر الفضيل تبادل التهاني بقدومه بالعبارة الشهيرة المتعارف عليها بين أهل الجزائر “صح رمضانكم”.
ويبدأ الإفطار عموماً بالتمر والحليب وبعد صلاة المغرب تكون الموائد قد رصت بألوان الأطعمة الشهية وتكون الوجبة متنوعة الأطباق التقليدية التي تختلف من منطقة لأخرى ولكن قاسمها المشترك هو الشوربة التي تسمى في مناطق وسط البلاد “شربة المقطفة”، أي “شوربة الشعرية”، وفي المناطق الغربية تسمى “الحريرة”، وفي المناطق الشرقية شوربة الفريك أو الجاري، وفي الجنوب الصحراوي الحساءه.
ويتم تناول الشوربة على العموم مع البوراك، وهي لفائف رقيقة محشوة باللحم المفروم، كما يقدم طبق اللحم وعروس المائدة. ويتشكل من قطع اللحم المطبوخ مع التفاح والبرقوق الحلو، وهو من المقبلات الشهيرة والمشمش المجفف والزبيب.
أما الطبق الرئيسي فيختلف بين طاجين الزيتون وشطيطحة دجاج والمثوم وهو كرات اللحم المفروم بالثوم، الشخشوخة الحارة والحميس، وهو خليط بين الفلفل الأخضر والطماطم والثوم المشوي المغموس في زيت الزيتون.
ويتم تقديم عصير الليمون المنكه بالقرفة وماء الزهر المسمى بـ”الشربات”. وتختلف مائدة الإفطار في بعض مكوناتها من منطقة لأخرى.

طقوس السهرة الرمضانية

ويحلو للمواطنين التوجه جماعات إلى المساجد التي تكون قد تمت تهيئتها مسبقاً بالفرش الجديدة والزرابي البهيجة وبالفوانيس اللامعة الكثيفة الإضاءة حيث يؤدون صلاة التراويح في أجواء مفعمة بالخشوع في الجمعيات الدينية والثقافية ليالي رمضان بالموشحات الدينية والأندلسية. أما النساء فيتحلقن كعادتهن في صحن البيت أو ساحة الدار حول صوان نحاسية كبيرة مليئة بأنواع الحلوى الرمضانية.
مثل قلب اللوز التي تشبه الهريسة الشامية من حيث الشكل، وهي خليط من الدقيق واللوز والكثير من ماء الزهر والقطر. ولا يكاد بيت جزائري يخلو منها خلال شهر رمضان، لأنها من التقاليد الراسخة، ويتم تناولها مع الشاي الأخضر بالنعناع إلى جانب الزلابية والقطايف.
وتمثل «البوقالة» فاكهة السهرة، وهي إرت شعبي عريق يزين السهرات الرمضانية، وأقرب إلى لعبة شعبية واسعة الانتشار بين النساء. وخاصة بالجزائر العاصمة، وهي عبارة عن استشفاف البشرى وتلمس الفال من خلال كلمات عفوية أقرب إلى الشعر تتضمن معاني الخير والأمل.
ولا سيما بالنسبة للعازبات وغالباً ما تتعلق “البوقالة” التي تدوم طويلا خلال ساعات الليل بالحب العفيف، والحزن على فراق الأحباب والخلان والأمل في لقائهم. إنها تمثل شحنة عاطفية تمتلئ بها نفس كل فتاة بواسع الأمل في تحقيق الفأل الجميل الذي كان من نصيبها.

أجواء إيمانية واحتفالات متوارثة

ومن العادات اللافتة في المجتمع الجزائري الاحتفال بالطفل الذي يصوم أول مرة، حيث يرتدي الزي التقليدي المميز لهذه المناسبة وهو عباءة صوف بيضاء، وقميص طويل من القطن مع برنوس (غطاء الرأس).
وتتم إقامة احتفال مميز وخاص للطفل تشجيعاً وترغيباً له في المواظبة على أداء فريضة الصوم، أما الإناث فليبسن لباساً مطرزًا. ويجلسن في بهاء كالملكات وفي احتفال بهيج بصيامهنَّ : ويتم إعداد مشروب خاص يجري تحضيره بالماء والسكر، ويقدم في إناء بداخله خاتم من ذهب. ويسقى منه الصائم من الأطفال لأول مرة ويجتمع الأهل والأقارب لتحقيق ما يسمى “لمة رمضان”.
وفي ليلة القدر يجري ختان الأولاد فردياً وجماعياً في أجواء أسرية احتفالية رائعة بما يسمى “الطهارة”. وعلى ذلك تتميز كل أيام شهر رمضان المبارك ولياليه في الجزائر بالكثير من العادات المختلفة والتقاليد المتنوعة في شمال البلاد وجنوبها. والتي بالرغم من كونها قد تحمل قدرًا من التباين حسب عادات المناطق.
فإن قاسمها المشترك هو الأجواء الإيمانية وحالة التسامي الروحاني التي تكسب المجتمع على الدوام ترابطاً أشد وتماسكا أقوى. وتوثق وشائج العلاقات الإنسانية والروابط الأخوية مع كل الشعوب العربية والإسلامية إنها أجواء كلما تسامت الروح فيها وارتقت أبصرنا سر الوجود بقدر اليقين فينا.