شهد الأسبوع الماضي نقطة تحول واضحة في أسواق السلع، إذ انتقلت الرواية من قوة عريضة النطاق في يناير إلى بيئة أكثر دفاعية تقودها اعتبارات السيولة. فما بدأ بتصحيح تاريخي يوم الجمعة الماضية في الذهب والفضة والبلاتين، سرعان ما امتد إلى فئات أصول أخرى، مع ضعف أسواق الأسهم وتعرض العملات المشفّرة لبيع حاد. وأسهمت هذه التحركات مجتمعة في ترسيخ نبرة سلبية حاسمة. حيث هيمن خفض الرافعة المالية القسري وارتفاع الترابطات بين الأصول على حركة الأسعار.
منذ الخميس 29 يناير عشية انهيار المعادن النفيسة، تباين الأداء عبر مجمّع السلع بشكل حاد. قادت المعادن النفيسة الخسائر، تلتها المعادن الصناعية وأجزاء من قطاع الطاقة والسلع اللينة. في حين برزت الحبوب كأحد المجالات القليلة التي سجلت مكاسب.
وتراجع مؤشر بلومبرج للسلع، العائد الإجمالي بنسبة 5.3% خلال الفترة، ليقلّص، دون أن يمحو، بداية استثنائية للعام. وليظل المؤشر مرتفعًا بنحو قوي يبلغ 10% منذ بداية السنة.
وتؤكد هذه المتانة في الرقم الإجمالي، على الرغم من عنف التحركات الأخيرة. مدى قوة واتساع موجة صعود يناير وكيف تغيّرت المعنويات بشكل مفاجئ بمجرد ارتفاع التقلبات.
الخلفية الاقتصادية الكلية.. ضعف سوق العمل وتراجع شهية المخاطر
على الصعيد الاقتصادي الكلي، مالت البيانات الأمريكية خلال الأسبوع الماضي بشكل متزايد نحو الضعف، لا سيما في سوق العمل. فبينما حافظت بعض مؤشرات قطاع الخدمات على قدر من المتانة، أدت سلسلة من تقارير الوظائف المخيبة وارتفاع إعلانات تسريح العمال إلى إرباك المستثمرين، ما أسفر عن موجة متجددة من التمركز العازف عن المخاطر عبر الأسواق المالية.
وعكست أسواق الأسهم هذا التحول؛ إذ تكبد مؤشر ناسداك تراجعًا يقارب 5%، مع تمركز الضعف في أجزاء من السوق كانت تُعد سابقاً ملاذات نمو آمنة. واستمر تدوير لافت للخروج من أسهم البرمجيات والخدمات المركّزة على البرمجيات كخدمة (SaaS) باتجاه أسهم أشباه الموصلات والمعدات. ما عزز الإحساس بأن المستثمرين يعيدون تقييم أثر استثمارات الذكاء الاصطناعي على مخاطر التقييم واستدامة الأرباح.
في الوقت نفسه، شهدت العملات المشفّرة تسارعًا في وتيرة البيع. حيث هبطت بيتكوين بنحو 22% خلال الفترة. وإلى جانب الخسائر المباشرة، أثار تراجع العملات المشفّرة مخاوف من انتقال العدوى إلى أسواق أخرى، لا سيما حيث تتقاطع الرافعة المالية والتعرّض للمشتقات مع الأصول التقليدية.
البنية التحتية للأسواق قبل الأساسيات
رغم استمرار أهمية الأساسيات، كانت السمة المحدِّدة للأسبوع الماضي هي الضغوط في «سباكة» الأسواق. فقد أدت التقلبات المرتفعة إلى زيادة متطلبات الهامش، وتراجع السيولة، وارتفاع سريع في عمليات البيع غير الاختيارية. وفي مثل هذه البيئة، غالبًا ما تباع الأصول ليس لأن آفاقها تغيّرت جوهريًا، بل لأنها سائلة، أو مزدحمة بالتمركزات، أو كلاهما.
وقدّمت المعادن النفيسة مثالًا نموذجيًا على ذلك. إذ أدت التقلبات السعرية الحادة إلى تسارع خفض الرافعة المالية عبر العقود الآجلة، والصناديق المتداولة في البورصة، وهياكل المشتقات ذات الصلة. وأسهمت عمليات التسييل الثقيلة في منتجات الفضة المرمزة مباشرة في زيادة ضغوط البيع على عقود كومكس الآجلة والصناديق المدعومة ماديًا، ما فاقم زخم الهبوط.
كما لعبت أسواق الخيارات دورًا مهمًا. فاندفاع شراء عقود الشراء من قبل المستثمرين الأفراد في وقت سابق ترك بائعي الخيارات مع تعرّض كبير لـ«دلتا» طويلة. وعندما انعكست الأسعار بعنف وارتفعت التقلبات، أدى الاضطرار إلى تعديل التحوطات إلى تضخيم ضغوط البيع، محولًا ما كان يمكن أن يكون تصحيحًا إلى سلسلة متسارعة من الانخفاضات.
المعادن الصناعية.. صعود النحاس يواجه تحديات مع تراجع الأسس الجزئية
تداولت المعادن الصناعية على نحو أضعف، مع تراجع مؤشر بلومبرج للمعادن الصناعية بنحو 5.5% في ظل ضعف واسع النطاق. وبقي النحاس في بؤرة الاهتمام نظرًا لدوره المحوري في تحول الطاقة والمخاوف المستمرة بشأن آفاق الإمدادات على المدى المتوسط. وتراجعت الأسعار بنحو 6%، إذ عاد عقد «هاي غريد» الآجل إلى ما دون 6 دولارات للرطل بعد أن كان من أكثر السلع طلبًا في وقت سابق من العام. وبينما كان العزوف عن المخاطر وخفض الرافعة المالية من المحركات الأساسية، تعزز تراجع النحاس أيضًا بتليّن الأسس الجزئية.
فقد ارتفعت المخزونات المرئية عبر البورصات، ما خفف المخاوف بشأن ضيق الإمدادات الفوري. وفي لندن، لا تزال السوق الفورية في حالة «كونتانغو»، في إشارة إلى تراجع الإلحاح لتأمين الإمدادات القريبة. وفي الوقت نفسه، ضعفت علاوات يانغشان في الصين قبيل عطلة رأس السنة القمرية التي تبدأ في 15 فبراير، ما يعكس فتور الطلب على المدى القريب.

وبمجملها، تشير هذه الإشارات إلى أن موجة صعود النحاس القوية سبقت الأسس قصيرة الأجل. ما جعله عرضة للتراجع بمجرد تدهور ظروف السيولة. وتُذكّر هذه الحلقة بأن الصفقات المزدحمة، حتى عندما تستند إلى روايات بنّاءة على المدى الأطول. يمكن أن تنفك سريعًا عندما يصبح التموضع مفرطًا.
وسلك البلاتين مسارًا مشابهًا، إذ تكبد هبوطًا بنحو 37% من القمة إلى القاع في ظل سيولة أدنى وتمركزات مركّزة. ما يسلّط الضوء مجددًا على هيمنة عمق السوق على سلوك الأسعار أثناء فترات الضغط.
النفط الخام يتأرجح ضمن نطاق محدود، بينما يختتم الغاز الطبيعي رحلة تقلبات تاريخية
أظهرت أسواق الطاقة باستثناء الغاز الطبيعي قدرًا نسبيًا من المتانة. ويواصل خام برنت التداول قرب الحد الأعلى من نطاق واسع بين 60 و70 دولارًا للبرميل. مع تذبذب علاوات المخاطر الجيوسياسية بوصفه المحرك الرئيسي على المدى القصير.
وتظل التطورات في الشرق الأوسط والتوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران محورية في تشكيل الأسعار. إلا أن السوق حتى الآن متردد في تسعير اضطراب مستدام في الإمدادات.
ويعكس هذا السلوك ضمن النطاق توازنًا بين عدم اليقين الجيوسياسي ونمو الطلب العالمي من جهة، وسوقًا ما تزال جيدة الإمداد من جهة أخرى. على الرغم من العقوبات على الصادرات الروسية وبوادر مبكرة تشير إلى أن نمو الإنتاج الأمريكي قد يبدأ في التباطؤ. وإلى أن تظهر دلائل أوضح على صدمة إمدادات ذات شأن أو تغيير حاسم في توقعات العرض والطلب. من المرجح أن تبقى أسعار النفط متقلبة لكنها إلى حد كبير بلا اتجاه واضح ضمن الحدود القائمة.
أما عقد الغاز الطبيعي الأمريكي «هنري هَب» للشهر الأمامي، فقد اختتم رحلة تقلبات استمرت أسبوعين. إذ قفزت الأسعار إلى قرابة 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية قبيل العاصفة الشتوية الأخيرة. قبل أن تنهار مجدداً نحو 3 دولارات مع انتقال العقد الأمامي من فبراير إلى عقد مارس المبكر في الربيع. وقد دفعت موجة البرد القصيرة إلى أكبر سحب أسبوعي مسجّل من المخزونات الجوفية لتلبية الطلب المتزايدّ. وتفاقم ذلك بانخفاض الإنتاج المرتبط بالطقس.
الزراعة: تصريحات ترامب ترفع أسعار فول الصويا بينما يتراجع البن
كانت الحبوب استثناءً لافتًا في أسبوع دفاعي بامتياز، إذ كان فول الصويا السلعة الوحيدة التي سجلت مكسبًا ذا دلالة. وبلغت الأسعار لفترة وجيزة أعلى مستوى لها في شهرين قبل تقليص المكاسب في ظل وفرة الإمدادات العالمية.
وجاء الارتفاع الأولي مدفوعًا بتصريحات للرئيس ترامب ألمح فيها إلى أن الصين ستشتري مزيدًا من فول الصويا الأمريكي في الأشهر المقبلة. غير أنه من منظور اقتصادي بحت، تبقى الإمدادات القادمة من البرازيل، أكبر منتج ومصدّر في العالم أقل كلفة بشكل ملحوظ خلال ذروة موسم التصدير في البلاد. ما قد يحدّ من نطاق طلب صيني مستدام على الحبوب ذات المنشأ الأمريكي.
في المقابل، تراجعت قهوة أرابيكا، التي كانت من بين أفضل خمسة أداءً العام الماضي. بنحو 12% خلال فترة الأيام الستة المشمولة في هذا التحديث. لتسجّل أدنى مستوى في ستة أشهر قرب 3 دولارات للرطل. وتقدَّر إنتاجية القهوة في البرازيل لعام 2026 عند مستوى قياسي يبلغ 66 مليون كيس. وفقًا لوكالة الإمدادات الوطنية البرازيلية «كوناب». وقد انخفضت الأسعار بنحو 25% منذ بلوغها ذروة قياسية في أكتوبر الماضي. وعلى غرار الكاكاو ، الذي جرى تداوله فوق 10,000 دولار للطن قبل عام ثم انهار إلى نحو 4,100 دولار. شجعت الأسعار المرتفعة العام الماضي المنتجين على توسيع المساحات المزروعة وتجديد المحاصيل القديمة.
ما الذي يجب متابعته
بالنظر إلى الفترة المقبلة، ستحدد عدة عوامل ما إذا كان التصحيح الأخير سيستقر أم سيتعمّق. وستسهم الإصدارات الاقتصادية الأمريكية الرئيسية، ولا سيما بيانات سوق العمل والتضخم، في تشكيل شهية المخاطر.
وفي أسواق السلع، من شأن ظهور مؤشرات على انحسار التقلبات وتحسّن ظروف السيولة أن يساعد في استعادة اكتشاف أسعار أكثر انتظامًا. ومن زاوية الطلب على المعادن، الصناعية والنفيسة على حد سواء. قد تضغط عطلة رأس السنة القمرية الصينية المقبلة التي تغلق خلالها البورصات الرئيسية لأكثر من أسبوع. على الأسعار مع تقليص المتداولين والمضاربين تعرّضهم قبيل انتعاش موسمي متوقّع في مطلع مارس.
—————————————————
تقرير مقدم من أولي هانسن، رئيس إستراتيجية السلع في ساكسو بنك

















