حمل أدب الرحلة صورًا باهرة ومعان مؤثرة خلقت نوعًا من الاتصال الحضاري بين الشعوب أدى إلى اكتساب المعرفة بالآخر. ما دفع الرواد من الرحالة والمستشرقين خلال رحلاتهم ومغامراتهم عبر صحاري ومدن العالم الإسلامي. أي دراسة خصائص المجتمعات الإسلامية وطبائع أهلها وعاداتهم وتقاليدهم.
فرصدوا القيم الثقافية والدينية التي أولوها اهتمامًا خاصًا وأضافوا ملاحظاتهم الخاصة وتفسيراتهم وتحليلاتهم لها. وكان من بين ما رصدوه مظاهر الاحتفاء بشهر رمضان وتميزه بالخصوصية في حياة المسلمين.
بوركهارت وأجمل ذكرياته في مكة المكرمة
درس الرحالة السويسري الشهير جون لويس بوركهارت (سويسرا 1784 ـ القاهرة 1817) اللغة العربية في جامعة كمبريدج. ثم تولت “الجمعية الإفريقية ـ البريطانية” تمويل رحلته الاستكشافية في جزيرة العرب وفي إفريقيا وصولا إلى تمبكتو.
عكف على دراسة الإسلام وعلومه الشرعية وزار مصر والشام متظاهرًا بأنه تاجر أوروبي مسلم. ثم زار السودان والأردن متنكرًا في زي إسلامي مدعيًا أنه مسلم من الهند. وذلك حتى أشهر إسلامه أواخر عام 1809 باسم “الشيخ ابراهيم” سجل الكثير عن حياة بدو الصحراء وعداتهم خلال رحلته.

وكان وصوله إلى جدة في يوليو 1814 وما دونه عن مكة المكرمة والمدينة المنورة يعد وثيقة هامة في تاريخ المدينتين المقدستين في ذلك العصر حيث بهرته مكة المكرمة فكتب:
“في كل رحلاتي بالشرق، لم أشهد أبدا من أيام اليسر والراحة والنعيم ما شهدته في مكة، ولسوف أظل دائما أحتفظ بأجمل الذكريات عن الفترة التي قضيتها بها .” أمضى بوركهارت في مكة المكرمة ثلاثة أشهر وصادف وجوده بها حلول شهر رمضان. وعاش فيها وتعايش مع أهلها حتى أدي مناسك الحج.
كان فور وصوله إلى مكة المكرمة قد أدى مناسك العمرة وكتب: “إن آلاف القناديل التي تضيء الحرم المكي خلال رمضان جعلت منه الملاذ الليلي لكل الأجانب في مكة (يقصد الحجيج من مختلف الجنسيات) فهنا يلتقون ويتحاورون إلى ما بعد منتصف الليل. ينهمكون بخشوع تام في الصلاة والدعاء، وقراءة القرآن خلال ساعات الظهيرة. بينما بعض من الهنود والزنوج يأخذون قسطا من الراحة تحت أروقة المسجد. عند غروب الشمس يتوافد الحجيج وأهل مكة لتأدية صلاة المغرب في أكثر من عشرين دائرة حول الكعبة، يجمعهم أكثر المشاهد رهبة وجلالًا”.

كان بوركهارت يكثر خلال شهر رمضان من زيارة قاضي قضاة مكة المكرمة وبعض من علماء الحرم المكي للاستزادة من علوم الدين والاستفادة من آرائهم. أشار بوركهارت إلى أن ليالي رمضان في مكة لم تشهد مظاهر البهجة الرائعة التي تميز مدن الشرق الأخرى. وكذلك إلى خلو أيام العيد الثلاثة من مظاهر الاحتفالات والتسلية العامة.
إفطار مع الملك
في عام 1935 عقب أن أشهر الرحالة الشهير” فيلبي” إسلامه كان في معية الملك عبد العزيز آل سعود قادمًا من نجد قاصدًا مكة المكرمة. نزلوا جميعا عند “السيل الكبير” ميقات الحجيج القادمين من نجد فاستبدلوا ثيابهم بملابس الإحرام تمهيدًا لدخول مكة المكرمة وأداء مناسك العمرة.

ثم توجهوا جميعا (الملك وحاشيته وفيلبي) إلى قصر “المعابدة” في آخر ليلة من شهر شعبان، وبعد تناول العشاء غادر الجميع القصر وبقي الملك مع أسرته، توجه فيلبي إلى بيته، وفي الساعة الثالثة صباحا أيقظوه لتناول السحور مع وزير المالية عبد الله سليمان لصيام أول يوم له في رمضان والذي صادف شتاءًا باردًا خلال أيام شهر يناير. وعند الظهر أيقظه جرس الهاتف وكان المتحدث هو الملك يدعوه للإفطار معه.
كان الإفطار تمرًا و ماءً وعدة أقداح من القهوة قبل إقامة صلاة المغرب، وبعدها يتوزع الحاضرون على عدة موائد للإفطار، ثم يتنظمون في جلسات مسائية مع الملك تنتهي على العاشرة والنصف. أما جلسات الصباح وبعد الظهر فقد كانت أمرًا معتادًا في رمضان، وفي الليل يقوم أحيانا الملك زيارة إلى الحرم لصلاة التراويح مع الدعاء الطويل.

وبعد ذلك يعود أهل مكة وجدة لأعمالهم التجارية ويحيلون الليل نهارًا. إذ يبيعون ويشترون ويمارسون حياتهم الاجتماعية حتى وقت السحور وأداء صلاة الفجر.
أشار فيلبي إلى أن المشاورات السياسية لم تكن تبدأ إلا بعد نهاية شهر رمضان. وبرغم هذا استدعت الضرورة ذات يوم مناقشة مسودة اتفاقية مع الحكومة الإيطالية كان سيوقعها الأمير فيصل نائب الملك ووزير الخارجية في روما.
رمضان على ضفاف البوسفور
كانت رؤى الشرق تأسر أحد أهم الكتاب الفرنسيين جيرار دي نيرفال (1808 ـ 1855) بين ثنايا حكايات رحلته إلى تركيا وبلاد الشام ومصر عام 1843. وضمنها في كتابه “رحلة إلى الشرق”. وكان مزيجًا من الثقافة الرفيعة والمغامرات الممتعة في إطار قصصي جذاب وأسلوب ساخر تتخلله انتقادات لاذعة ودعابات رقيقة.


في اسطنبول أدهشه الطابع التركي المتميز، ولم يكن مضطرا ـ مثل الأتراك ـ إلى النوم طوال النهار ثم قضاء الليل كله في المتعة خلال أيام شهر رمضان السعيد الذي يجمع بين الصوم واللهو.
عبر دي نيرفال عن إعجابه بشارع المساجد الطويل خاصة في الليل والذي يشكل الشريان الرئيسي للمدينة حيث ينتهي بأسواقها العامرة الكبيرة. وعلى طريق القنطرة لم يكن يخشى السير على ضوء قمر شهر رمضان. منبهرًا بالأبراج والأكشاك والحدائق والنافورات ومئات المآذن وتكية الدراويش.
وأكد دي نيرفال أن الروايات الرائعة التي يقصها الرواة في أشهر مقاهي اسطنبول هي أبرز متع المدينة خلال شهر رمضان. وأهم ما تتسم به لياليها من سحر. وهذا المشهد الذي شغف به دي نيرفال وجعله يخصص له فصلًا كاملًا لهذه الروايات. كان السمة الأبرز في مدن الشرق خلال ليالي رمضان في ذلك العصر.

بحلول المساء كان الإيرانيون كالأتراك يصاحبوه لحضور الاحتفالات ولاحظ إقبال الناس على تناول الفاكهة والمرطبات والحلوى. وأن الأطفال في الشوارع أكثر من الرجال. شدد نيرفال التأكيد على أن المسلم الحق يجب أن يرتل كل ليلة قدرًا من آيات القرآن. وأن الاستماع إلى الرواة أو الذهاب إلى المسارح والمتنزهات هو مجرد نوع من الترويح عقب أداء هذا الواجب الديني.
شريفة الأمريكانية في البحرين
كورنيلا دالنبرج، هي إحدى من خدمن بالإرسالية الإنجيلية ألأمريكية كممرضات ومدرسات في البحرين. قامت برحلات لدول الخليج وجزيرة العرب ومنذ أول رحلة لها إلى البحرين عام 1922 كانت حريصة على تدوين انطباعاتها. وتسجيل مشاعرها وهي تحتفل بأعياد الميلاد بين أصدقائها العرب في البحرين حيث عرفت باسم “شريفة الأمريكانية”.

كتبت عن مظاهر شهر الصيام ودوي انفجار مدافع الإفطار خاصة الطلقات الثلاثة التي أوقظتها مفزوعةً بعد منتصف الليل للإعلان عن بدء شهر رمضان. لاحظت أن هذه المدافع تطلق في الساعة الثالثة والنصف إيذانًا ببدء صيام يوم جديد. صيام قد يشفع للمسلمين دخول الجنة من باب” الريان”.
في المساء يقدم العديد من الأطباق في وليمة كبيرة، وتعد أطباق خاصة للأسر الفقيرة التي لا يستطيعون إعدادها في الأيام العادية. تذكر كورنيلا أنها لن تنسى تلك الأيام، فالمقاهي تعج بروادها، والقناديل تتأرجح من الأعمدة مضيئة الشوارع والأرض والصحراء القاحلة لمسافات بعيدة. والناس يأكلون ويشربون ويتزاورون، ويخرجون من مقهى إلى مقهى آخر. وأصوات متباينة تصل من بعيد خلال الليل، وتستمر الفرحة وصخب الحياة كل ليلة طوال الشهر.

ثم تعم السكينة قبيل ساعتين من الفجر حيث يمر المنادي بطبلة يوقظ بها الناس لتناول السحور. ثم فجأة تذكرت المهمة الأساسية التي جاءت من أجلها. فكتبت متسائلة: “إن التُقى والإيمان الشديدين بتعاليم الإسلام جعلتني أتساءل عما إذا كان بالإمكان أن ننجح في تغيير عقيدة إخواننا المسلمين العرب..!”.
بيرتون.. وترقب ساعة الإفطار
رحل الضابط والدبلوماسي الرحالة الايرلندي خريج جامعة أكسفورد ريتشارد بيرتون” (1821ـ 1890) إلى القاهرة والحجاز عام 1853. وقد أشهر إسلامه وأدى مناسك الحج. ولم يكتب أحد بقدر ما كتب “بيرتون” ولم يكتب أحد عن رحلة مثلما كتب عن رحلته إلى جزيرة العرب.

صادفت رحلته حلول شهر رمضان فكتب بأسلوبه المميز: “تبدو القاهرة عند اقتراب ساعة الإفطارـ و يا لبطء حلولها ـ وكأنها أفاقت من غشيتها. فيطل الناس من النوافذ والمشربيات ليرقبوا ساعة خلاصهم. بعض الناس يصلون ويبتهلون، وآخرون يسبّحون بينما آخرون يتجمعون ويتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين موعد الإفطار.
أخيرًا انطلق مدفع الإفطار، وفي الحال يجلجل صوت المؤذن رخيما جميلا داعيا الناس للصلاة. وينطلق المدفع الثاني من قصر العباسية (سراي الخديوي عباس حلمي الثاني) فتعم الفرحة الصاخبة أرجاء القاهرة الصامتة.
وبينما يتخذ البعض طريقه إلى المساجد لأداء الصلاة ينخرط كثيرون في المسرات. فيجلسون متزاحمين عند مداخل المقاهي يدخنون النرجيلة أو الشيشة ويستمعون لحكايات رواة السير الشعبية وعازفي الربابة والمنشدين. وتظل الأسواق مفتوحة حتى ساعة متأخرة. تحدث بيرتون كثيرا عن جولاته في شوارع القاهرة في ليالي رمضان. خاصة الطرق المؤدي إلى حديقة الأزبكية وصخب الزحام الذي يكاد يغطي على صوت المؤذن في الفجر.
















