رمضان كريم، هو شهر الرحمة والمغفرة والخير والبركات، فيه يحرص المؤمنون على المبادرة بتقديم الصدقات بالمال والطعام دون تأخير. ولا ينتظرون أجرًا ولا شكورًا طمعًا في أجر وثواب ربهم الأعلى. امتثالًا لأمره سبحانه صاموا وله قاموا، ومن أجل نيل رضاه يتصدقون.
الصائم بين التوسعة الإسراف
من أشهر الحقائق الواقعية والملموسة عند بعض المسلمين خلال شهر رمضان هي إفراطهم في تناولهم الطعام والشراب والحلويات. بداعي تعويض ما فقدوه من سعرات حرارية أثناء الصيام. وعادة يبلغ هذا الإفراط حد الإسراف الذي يعني تجاوز فرضية توسعة الفرد على أهل بيته. لأن هذه التوسعة لا تكون غالبًا في حدود الاستطاعة أي لا تكون على قدر الحاجة.
حقيقة إن نداء التوسعة مطلوبًا وخاصة في المواسم والأعياد ولكن من الرشادة أن لا يقع المسلم في آفة الإسراف تحت حجة التوسعة على النفس وعن الأهل والأولاد. ثم نرى الطعام يلقى في اليوم التالي داخل صناديق القمامة، هنا يكون الإسراف آفة خطيرة لا بد من تجنبها في كل وقت.
إذ يتسابق مسلمون على شراء كميات كبيرة من المأكل حتى قبل بداية شهر الخير. وقد يكون منه ما ليس هم بحاجة ماسة إليه، بل إن البعض يكون مدفوعًا بحب التظاهر على الآخرين فتراه يستدين من أجل التفاخر عليهم خلال إنفاقه بإسراف.
الأرزاق نعمة لا يعلم حقيقتها إلا المحروم
الكرم فضيلة عظيمة لا تطيب به إلا لمن تغلبت نفسه على شحها، والرزق نعمة كبيرة لا يعلم حقيقتها إلا الجائع الفقير والمسكين والمحروم. الذي قد يتمنى أن يتوفر له منها القدر القليل ليسد به جوعه، وجوع من يعول.
لذلك؛ فمن لا يقدر قيمة الرزق الذي بين يديه ويتعامل معه على أنه زائد عن حاجته وأنه لا مجال أمامه سوى التخلص منه في القمامة فهذا سلوك خطير قد يؤدي إلى زوال هذه النعمة عن صاحبها. فالمال مال الله تعالى والإنسان مستخلف فيه ومحاسب عليه.
الوسطية والتوازن
الإسراف لا يتوقف فقط على المأكل والمشرب، وإنما يمتد ليشمل أشياء كثيرة يمر بها المسلم في ليله ونهاره وهو صفة مذمومة أيضًا قد تشمل الملبس واللعب والضحك والنوم والراحة والسهر والمدح.
لقد دعانا ديننا الحنيف إلى الوسطية والتوازن بين التمتع بالنعم وعدم المغالاة في هذا التمتع. قال سبحانه وتعالى:”يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” (سورة الأعراف آية 31). وقوله تعالى:” ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا “(الإسراء ، آية 29).
وفي سيرة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وسيرة أصحابه الكرام ما فيه من الدروس والعبر في مسألة ضبط النفس في مسألة الإسراف. وكبح الإفراط في شراء كل ما تشتهيه النفس، وهو ليس بالأمر الهين على من تعود على الإنفاق دون تبصر وأدمن عملية الإنفاق. بل إنه في غاية الصعوبة خصوصًا مع وفرة المال.
أضرار الإسراف الصحية والسلوكية
يؤدي الإفراط في تناول الطعام والمشروبات الغازية إلى مخاطر صحية جسيمة خاصة على الشخص الصائم أهمها السمنة. التي تعد العدو الأول لصاحبها فبسببها يصاب بأمراض خطيرة منها ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار، وارتفاع ضغط الدم وانسداد الشرايين. ما يؤثر تأثيرًا خطيرًا على صحة القلب ويرفع من خطورة التعرض للجلطات المؤدية إلى الشلل أو الوفاة في أي لحظة.
وبالنسبة للصائم يبدو الأمر أكثر أهمية لأن خلو المعدة طوال النهار ولعدد كبير من الساعات في فصل الصيف مثلًا. يقتضي أن يتناول الفرد عند الإفطار طعامه بكل حذر وحرص فلا يمكن مفاجئة الجسم بتناول الطعام بشراهة ودون توقف. فذلك يؤذي الجهاز الهضمي ويضره والنتيجة يشعر الصائم بحموضة شديدة نتيجة ارتجاع المريء ثم يعاني آلام مزعجة في بطنه نتيجة عدم هضم الطعام جيدًا.
إن تعود الفرد على الإسراف في رمضان يخلف عادات سلوكية غير سوية مثل الكسل الشديد والخمول. وعدم استعداده للتجاوب مع الآخرين فكريًا وضعف استطاعته على بذل الجهد عمليًا نتيجة التخمة. وهذا كثيرًا ما كان سببًا في تأخر مستقبل بعض الأفراد علميًا ومهنيًا. إذ لن يكون بوسعه أن ينتج أو يستوعب بسبب كسله نهارًا مضافًا إلى ذلك مشقة الصوم.
شهر رمضان، فرصة عظيمة يمكن أن يستغلها كل فرد كي يكتسب منها السلوكيات السوية ومنها عادة التوازن في كل مفردات حياته. والتعود على الاقتصاد وعدم إهدار الوقت فيما لا يعود عليه بالفائدة والنفع، والمهم عدم الوقوع أسير آفة الإسراف.
















