ثقافة وفنون

د. رانيا يحيى تكتب: «توسكا».. مشاعر إنسانية متأججة

الميلودراما الغنائية الشهيرة “توسكا”، مأخوذة عن رواية الكاتب الفرنسي فكتوريان ساردو (1831 – 1908) والتي صدرت عام 1887، ووضع موسيقاها المؤلف الإيطالي جياكومو بوتشيني في شكل أوبرا والتي حملت نفس الاسم “توسكا” عام 1900؛ حيث قُدمت لأول مرة في روما العام نفسه، ولم تلق قبولًا من النقاد والجمهور عند عرضها في البداية، رغم أنها تتميز بكثير من المقاطع اللحنية التعبيرية والدرامية والتي سرعان ما انطلقت بها لتحوز على الشهرة والجماهيرية.

ويرتكز موضوع القصة المأساوية على الحب والانتقام؛ إذ تدور الأحداث في إيطاليا إبان غزو نابليون لروما في مطلع القرن التاسع عشر؛ حيث تظهر مغنية معروفة في ذلك الحين تدعى “فلوريا توسكا”؛ والتي اشتهرت بعذوبة صوتها وجمالها، وكانت مغرمة بالرسام “ماريو كافارادوسي”؛ صاحب الأفكار الليبرالية المعارضة للسلطات، وفي الوقت نفسه كان رئيس الشرطة البابوية البارون سكاربيا مغرمًا بـ “توسكا”.

من ناحية أخرى، يرسم “كافارداوسي” صورة للسيدة التي أعجب بجمالها حين رآها تصلي في الكنيسة، كما يلتقي هناك بصديقه القديم أنجيلوتى السجين السياسي الهارب من السجن، ويحاول جاهدًا أن يساعده في الهرب عن طريق بئر بحديقة فيلته القريبة من الكنيسة، وعندما تشاهد الفنانة توسكا حبيبها كافارادوسي وهو يستكمل لوحة السيدة الجميلة تشتعل نار غيرتها، فيحاول تهدئتها ويرجوها أن تتركه لينتهي من لوحته، وتتركه بعد أن طمأنها، ولأن كافارادوسي يعلم أن توسكا شديدة الغيرة لم يخبرها عن عزمه إنقاذ صديقه؛ لأنها سوف تفسد كل شيء، وكان يوهمها بأنهما سيهربان معًا.

وقد أضافت هذه الخطة المزدوجة مزيدًا من التشويق للأوبرا؛ بحيث يظهر للجمهور أنه يخاطر بحياته من أجل صديقه و في الوقت نفسه يخطط للعيش مع صديقته، ثم تنطلق طلقات المدافع معلنة هرب أنجيلوتي، فيهرب كافارادوسي وأنجيلوتي مسرعين ويدخل إلى الكنيسة “سكاربيا” رئيس الشرطة مع أعوانه للبحث عن الهارب، فيعثر على “مروحة” مكتوب عليها اسم أخته التي هي صاحبة الصورة.

ويعرف سكاربيا اسم من قام برسم الصورة، وعند دخول توسكا يثير غيرتها بأن يطلعها على المروحة، ويأمر بالقبض على حبيبها ويأمر بتعذيبه في وجودها لتنهار وتعترف بمكان السجين الهارب، وعند سماعها صراخه بالرغم من توسله لها ألا تعترف بشيء تنهار وتعترف بعد أن حصلت على وعد من سكاربيا بالإفراج عنه وإطلاق سراحه، على أن ينفذ الحكم بإعدامه رميًا برصاص فارغ، وبعد أن يكتب أمر الإفراج تطعنه بسكين ثم تهرب، وتذهب للقاء حبيبها في الحصن قبل تنفيذ حكم الإعدام المزيف، وتقوم بتعليمه تمثيل دور المقتول، ويدخل الجنود وينفذون الحكم، وعندما يخرجون تفاجأ بالخديعة وتعلم أنه قتل بالفعل، ويتم القبض عليها لكنها تُلقي بنفسها من فوق سطح الحصن.

ليني ريفنستال
د. رانيا يحيى

وتتكون الأوبرا من ثلاثة فصول بدون مقدمة أوركسترالية؛ إذ تبدأ مباشرة ببعض التآلفات النغمية التي تؤديها جميع آلات الأوركسترا ويليها الموتيفة الشهيرة التي تتميز بها الأوبرا، ويظهر اهتمام المؤلف بالكشف عن الجانب القاتم من المشاعر الإنسانية، كما يتضح أسلوبه في التوظيف الرائع لاستخدام الآلات الوترية وآلات النفخ الخشبية في ألحان تتميز بالسرعة وأداء قوي وأسلوب تأثيري بديع يعبر عن تلك المشاعر، وأيضًا تتضح الغنائية والحس الجمالي والعاطفي في موسيقاه؛ من خلال أداء بعض الألحان المنفردة في آلات النفخ الخشبية، مع عمق التلوين الأوركسترالي ليتماشى والمواقف الدرامية لأحداث الأوبرا، خاصة في استخدامه للوتريات بأنواعها في تنوع يناسب أداءها، وتطويعه لآلة التشيللو ببعض الألحان المنفردة التي تعبر عن عمق إحساسه المملوء بالشحنات العاطفية، خاصة اللحن المنفرد لمجموعة آلات التشيللو في الفصل الثالث، مع استخدام آلات النفخ الخشبية والنحاسية وتوظيفها دراميًا لخدمة العمل.

ولاحظنا كذلك تناوله لمجموعة آلات الكورنو النحاسية في بداية الفصل الثالث بلحن منفرد يبرز قوة الآلة وعمق أدائها، ويظهر أيضًا من خلاله الاختلاف عن الألحان التي تؤديها آلات النفخ الخشبية ذات الصوت الرقيق، واستخدامه للأجراس كرمز للكنيسة، وقرع الطبول والآلات الإيقاعية المعبرة عن صوت المدافع باعتبارها بديلًا رائعًا عن استخدام المؤثرات الصوتية العادية، وبالتالي فالإيقاع الدرامي السريع والموسيقى التي عمقت أبعاد النص دراميًا هما إحدى مميزات أسلوبه والتي تمس قلوب وعقول المشاهدين، كما يبرز استغلال المؤلف لأصوات المغنيين على اتساعها بأعلى درجة من الحرفية؛ ليظهر جمال صوت المغني وقوته التعبيرية في تفسير المعاني الجميلة للكلمات، مع استخدام الرسيتاتيف (الإلقاء المنغم) في كثير من آريات الأوبرا.

وتتجلى في هذه الأوبرا موهبة جياكومو بوتشيني؛ ورغم بساطة إنتاجه الذي يصل إلى اثني عشر أوبرا فقط لكنها من أهم الأعمال الأوبرالية في الريبرتوار العالمي، ولا تخلو أي أوبرا من تقديم أعماله الفنية الإبداعية المعبرة عن الواقعية الإيطالية كما في “توسكا” و”مدام بترفلاي” و”فتاة الغرب” و”توراندوت” وجميعها يُعد من الأعمال التي تتسم بجمال وعمق الأسلوب.

دكتورة رانيا يحيى
رئيس قسم فلسفة الفن بأكاديمية الفنون
عضو المجلس القومي للمرأة بمصر

اقرأ أيضًا: د. رانيا يحيى تكتب: الجريفاني وإبداع «رواء الشعر»

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى