يعد الطعام عاملًا جوهريًا في وضع سياسات الدول بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية وأيضًا السياسية. كونه يعطي صورة شاملة للبلاد من خلال رسم خرائط المواد الغذائية.
في حين أصبحت العقيدة السائدة حاليًا أن ” تقاسم شطري الخبز والالتفاف معًا حول مائدة لتناول الطعام وسيلة لإنشاء العلاقات وبناء الثقة بين كل الأطراف”.
دبلوماسية الطهي
دبلوماسية الطهي هي أحد أقدم أشكال السياسة الخارجية، وتعني استخدام الطعام للاستمالة، والمتلق الإقناع. كما أنها وسيلة لاستعراض الأطعمة الراقية لمطبخ مقدميها. على الرغم من الادعاء الفرنسي مؤخرًا بأنهم مبتكرو هذا النوع من الدبلوماسية.
وعندما قرر الطاهي الكتالوني الشهير “فيرّان أدريا”، وهو من رواد فن الطهي الحديث، استثمار جهود مطعمه الشهير “إيل بوللي” في تصنيف فن الطهي انطلق على أساس قناعته بأن ثمة عامل نمو ربما يكون ذا تأثير في الوضع الاقتصادي للدولة الناشئة. ووسيلة في نفس الوقت للحفاظ على جذورها في أرض أجنبية.
كذلك أداة للدبلوماسية الناعمة لتعزيز صورة البلاد في الخارج، إنها “دبلوماسية الطعام”.
بينما أشارت يوهنا مندلسون؛ الباحثة بالجامعة الأمريكية في واشنطن خلال حضورها دورة بعنوان “صراع المطابخ: الحرب والسلام حول مائدة العشاء”. إلى أن وسيلة آلاف النازحين والفارين من الجوع والحروب من أجل إعادة بناء حياتهم في البلاد الأجنبية هي استخدام مهارتهم الخاصة في الطبخ.
وذلك بالاستعانة بالوصفات القديمة لأسرهم في وضع حجر الأساس لبدء نشاط تجاري في عالم يزيد أكثر عولمة على نحو متزايد. ومع انتشار قنوات التصدير وتوافر الغذاء تكتسب قضية الأمن الغذائي أهمية مركزية خاصة مع تزايد الطلب على المنتجات الآمنة والمعتمدة.
المطبخ جسر للحوار الثقافي
تتحدث الباحثة التونسية ليليا زوالي في كتابها “الإسلام على المائدة” عن مدى تأثير ظاهرة الهجرة في تقارب خصائص المأكولات العربية في العصور الوسطى. وعن نقاط الالتقاء مع نظيرتها الإيطالية والخصائص المميزة لمختلف المطابخ الإقليمية مع الانتشار المتزايد لأغذية ووجبات الشوارع.
ويستعرض ريك شتاين؛ الطاهي البريطاني وصاحب مطعم أسماك، ومقدم برنامج تلفزيوني. في كتابه “من البندقية إلى إسطنبول”، اكتشاف نكهات شرق المتوسط عبر رحلة بين النكهات والأذواق. انطلاقًا من إيطاليا إلى تركيا مرورًا بكرواتيا وألبانيا واليونان.
ولم يقتصر على وصفها أطعمة فحسب بل أيضًا عرضها كحكايات وتأملات حول التاريخ وعلاقاته المعقدة مع الطعام.
وكان لوران فابيوس؛ رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق، أشار إلى إمكانية وضع الصراعات في صيغة أكثر بساطة؛ من خلال تنظيم لقاءات بين أصحاب المطاعم والطهاة المهاجرين لتنفيذ ممارسة تعني باستضافة القادة الوطنيين على العشاء لتحقيق غايات سياسية لها جذور عميقة.
وكان من الأمثلة على هذا النوع ما أشارت إليه الصحفية البريطانية روبن رايت؛ الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط. أنه خلال محادثات إيران النووية كان الأمريكيون والإيرانيون يأكلون بشكل منفصل لمدة عشرين سنة. ولم يسبق لهما أن تقاسما وجبة واحدة.
ولكن خلال مناسبة عيد الاستقلال في أمريكا دعا محمد جواد ظريف؛ وزير الخارجية الإيراني السابق. جون كيري؛ وزير الخارجية الأمريكي حينها، وفريقه إلى تناول الغذاء في غرفة طعام الإيرانيين ليقدم لهم الطعام الفارسي.
وكان لتجربة تناول طعام لذيذ أثر طيب في التحوّل الذي جرى خلال مسار المفاوضات فقد تم التوصل حينها إلى “اتفاق نهائي” بعد عشرة أيام فقط.
بينما شابت دبلوماسية الطهي في الولايات المتحدة الأمريكية سمعة سيئة. ففي عام 2012 افتتحت هيلاري كلينتون؛ وزيرة الخارجية آنذاك، فيلق الطهاة الأمريكيين. لإظهار براعة طهي بلدها واستعراض أفضل طهاتها على دول أخرى.
ولكن الكثير منهم كانوا مهاجرين فصار الطعام المقدم بأسلوب الطهي الأمريكي متنوعًا بقدر تنوع مواطنيها. بما في ذلك الأطباق ذات الجذور الأفريقية.
في حين تتسم أطباق مطابخ الأقاليم المكسيكية بمزيج من المكونات التي جعلت منها أطباقًا فريدة بفعل أذواق المجتمعات المحلية. المشكلة من المهاجرين الجدد الفارين من الصراعات في فيتنام واللاوس وكمبوديا وأفغانستان والحروب الأهلية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. وكل الذين استفادت الولايات المتحدة من مطابخهم منذ الحرب الباردة.
صعود دبلوماسية الطعام كاستثمار إستراتيجي عالمي
نما نوع آخر من دبلوماسية الأغذية خلال العقد الماضي ممثلًا في الأطعمة الشعبية، وشاحنات الأغذية المتنقلة، وطاولات السوق.
إضافة إلى أطعمة الثقافات الأخرى التي تبرز الآن شكلًا أكثر جدية من أشكال التراث الثقافي الراقي. وحول هذا يسلط الفيلسوف الفرنسي وعالم الإنسانيات بول روكاور، المؤرخ لدبلوماسية الطهي، الضوء على أبعادها الدولية.
وهو يعتبرها حملة دبلوماسية عامة متضافرة مدعومة بالاستثمارات النقدية. تجمع بين دبلوماسية الطهي ورجال الأعمال. والتذوق الفعلي لمأكولاتهم الخاصة.
في إطار ذلك مولت تايلاندا عام 2002 حملة لبرنامج رفع مستوى الوعي بالثقافة الغذائية التايلاندية لمواطنيها المقيمين بالخارج. فقدمت دعمًا ماليًا لفتح المطاعم في جميع أنحاء العالم وزاد عدد المطاعم التايلاندية من 5500 إلى 8000 مطعم.
وكذلك فعلت بيرو بإطلاق برنامج مماثل لإعادة تحسين صورتها دوليًا بعد حربها الداخلية ضد وحشية تمرد جماعة “الدرب المضيء”.
دفع هذا التوجه الجديد إلى جعل الاعتبارات المتعلقة بتحسن الجودة وضمان سلامة الغذاء. شروطًا أساسية لنجاح فرص الوصول إلى الأسواق، ومن أهم المعايير الرئيسة لتقييم مدى القدرة التنافسية لشركات الأغذية عالميًا.

















