منذ تأسيسها في القرن الرابع الميلادي عند منحدر جبل ينتهي إلى سهل ممتد يلامس أطراف خليج. أطلق عليها اسم مدينة “إيكوزيوم”، مرت عليها حضارات عديدة. وكان موقعها على رأس عوامل شهرتها. حيث جمعت بين الإطلالة على جمال زرقة الخليج، ومياه البحر المتوسط. وروعة السهول الممتدة والخلفية الجبلية المكسوة بالغابات الكثيفة الخضراء ربيعًا، والبيضاء شتاءً.
إذ أصبحت مركزًا تجاريًا فينيقيا، ثم سرعان ما صارت المدينة تجارية بكاملها، ثم بعد ذلك تحولت إلى مدينة رومانية. وكان مقرها منطقة تدعى “القصبة”، وأصلها القلعة المشرفة على المدينة. وقد تأثر عمرانها كثيرًا بعد الفتح الإسلامي بالنمط التركي، الذي بقي إلى الآن.

المعالم التاريخية العتيقة

يعد حي القصبة جامعًا للتاريخ، حافظًا للذكرى الحية للبلاد على مدى تاريخ طويل. إذ يكتنز شحنة هائلة من مشاعر الاعتزاز بأمجاد الماضي عبر العصور. قصور القصبة عثمانية، يميزها عمران فريد من نوعه، وهندسته تنطوي على قدر كبير من الحياة الجماعية.
هكذا جاء تعريف منظمة اليونسكو في وصف وجيز لقصبة الجزائر، بعدما تم تصنيفها واعتمادها في سجل التراث العالمي. خلال الاجتماع السادس عشر للتراث العالمي سنة 1992م. وهي منطقة مثلثة الشكل، تقع على مساحة خمس مئة ألف متر مربع، شيدت على تل يبلغ ارتفاعه مئة وخمسة وعشرين مترًا. وهي تمثل المدينة العتيقة التي يمكن ولوجها من خمس بوابات باب الواد وباب عزون وباب جديد، وباب البحرية، وقديما باب الجزيرة، وهو غير موجود حاليًا.
عمل الفنان الفرنسي ألبيرت جيرار يصور أحد قصور تطل قصبة الجزائر، بما تتميز به من طراز إسلامي فريد. على أحد أجمل المواقع الساحلية للبحر المتوسط، وتنتصب بأزقتها الضيقة، كثيرة الالتواء، والشديدة التعاريج. وبجدرانها البيضاء ونوافذ منازلها الزرقاء التي تبدو واضحة للقادمين إليها من البحر في أعلى الجزيرة التي أسس فيها الميناء القرطاجي في القرن الرابع قبل الميلاد.
لوحة فنية من أحد قصور حي القصبة بالعاصمة أواخر القرن التاسع عشر، للرسام الفرنسي ألبرت جيرار
تحتضن القصبة آثار القلعة العتيقة، والمساجد القديمة، مثل “الجامع الكبير” أقدم جامع في الجزائر المشيد سنة 1660م، في عهد الأتراك. وقد سمي أيضًا بجامع السماكة لقربه من الرصيف البحري لقوارب الصيد.
وكذلك جامع “كيتشاوة” الشهير بصومعته الضخمة والذي بناه الداي بابا حسن سنة 1794م، مقابلًا لإقامته الجميلة. إلى جانب “قلعة الجزائر” التي تبدو حصنًا منيعًا يضم مبان ذات أهمية عسكرية. والقصر القديم الأنيق الذي بني في القرن الرابع عشر، وكان يسمى “قصر لالة خداوج العمياء”، وهي أميرة جميلة سكنته ثم فقدت بصرها فجأة، وجرى على أنقاضه تشييد متحف الفنون والتقاليد الشعبية.

القصبة قلب الجزائر النابض

والقصبة تمثل قلب مدينة الجزائر النابض بعبق التاريخ وذكرى الثورة الوطنية. فقد شهد هذا المكان “حادثة المروحة”. بعدما لم يطق الوالي التركي وقاحة القنصل الفرنسي، فقام بضربه بالمروحة التي كانت بيده على وجهه. انتهزت فرنسا هذه الحادثة فرصة، فحشدت أساطيلها وانقضت على الجزائر.
وفي أسفل الحي؛ حيث ساحة الشهداء تنتصب تماثيل الأشهر البحارة والربابنة ممن أطلق عليهم الأوروبيون حنقًا و غيظًا لقب “قراصنة”، مثل: الرايس حميدو وبابا عروج وغيرهما، الذين قاموا بحماية الشواطئ، المدن الساحلية والتجارة البحرية. وفي ساحة الشهداء نافورة مياه تزينها تماثيل الخيول أسطورية فزعة من وجود بعض الثعابين تهاجمها.
وقبالة ساحة الشهداء يتراءى حي “جامع اليهود”. وهو معبد يهودي قديم بني عام 1855م، وحمل اسم حاخام يدعى إبراهام بلوخ. وكان الأكبر من بين أربعة عشر معبدًا يهوديًا احتوتها القصبة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830م. كما كان الأجمل على الإطلاق، نظرًا لطابعه المعماري  الأصيل.
ويعد هذا الحي مزارًا كبيرًا، وقلبًا تجاريًا نابضًا طوال العام، بحيويته الدائمة، والمستمر إلى ساعات متأخرة من الليل. وما يميزه هو المزيج الذي أصبح مألوفًا، برغم غرابته. حيث تباع الخضر والفواكه بجانب المفروشات التقليدية والمستوردة، ومحلات لوازم العرائس وحفلات الزفاف. كما تعرض أنواع البهارات المختلفة والبقالة إلى جانب أرقى العطور والروائح الطيبة. وتتوسط هذا الحي القلاع الأثرية الشامخة، ومسجد سيدي عبدالرحمن الثعالبي.

الحايك.. لباس المرأة الجزائرية التقليدي

إنه تنسيق مقبول لدى أهل القصبة، بالرغم من غرابته، تمامًا مثل الانسجام بين بني البشر الذين أقاموا بالحي على اختلاف أديانهم ومذاهبهم. في أدق خصوصيات حي القصبة، يلمس الزائر أروع ما يمكن أن يتمتع المرء برؤيته عندما تخرج النساء في مجموعات من قصور القصبة كالأميرات بزيهن المميز.
ويسمى حايك مرمة باللون الأبيض، وهو كالملاءة؛ تخفي تحتها ما يرتدين من الأزياء التقليدية الأصيلة المطرزة بخيوط الذهب والفضة. بتصاميم محلية تعكس ثقافة مستمدة من البيئة، وتضع برقعًا أبيض من الدانتيل، ولا يبقى من وجهها مكشوفًا سوى العينين. ولا تزال نساء حي القصبة يتمسكن بارتداء الحايك في عصر الموضة والعولمة.
وفي داخل المنازل، تغطي المرأة رأسها بـ“محرمة الفتول”، وهي منديل للشعر، تقليدي، تنسجه النساء بأيديهن على مختلف الألوان والأشكال. لينسدل بنعومة من الرأس إلى أحد الكتفين وتتدلى نهاياته على شكل خيوط حريرية تتراقص مع كل حركة منها. وتزين معصمها ورقبتها وقدميها بالحلي المرصعة بالأحجار الكريمة.
وغالبًا ما تجتمع النسوة عصرًا في ساحات القصور حول أباريق الشاي والحلويات التي تكثر فيها المكسرات. وقد تمتد اللقاءات إلى ساعة متأخرة من الليل. خاصة في فصلي الربيع والصيف، حين يحلو السمر مع ما يعرف بـ“البوقالة”. وهو نظم أقرب إلى الشعر باللهجة المحلية، ومن معانيه يمكن أن تجد كل امرأة أو فتاة صدى ما في نفسها، وتستبشر به، ومن هذه البوقالات:
” باسم الله بديت.. وعلى النبي صليت.. وعليكم هاذي البوقالة نويت.. حليت باب الجنان لقيت الملاح رقود تنهدت الدالية وتحرك العنقود. قال القمر: فالسماء نكشف على السحاب يذوب.. خلي الحبيب لحبيبه واللي في قلبو حاجة، الله يبلغ المقصود”.

العادات والتقاليد

وتشتهر عائلات حي القصبة بعادات وتقاليد مميزة، ومنها أن تضع كل فتاة في سن الزواج خاتمًا من الذهب في إناء طيني مملوء ماء تم إحضاره مسبقًا من سبع عيون مختلفة. وبعد تغطية الإناء، تقوم كل واحدة بعقد عقدة صغيرة.
تبدأ واحدة من الحاضرات بقول عبارة تحمل الفال الطيب، ثم تدخل يدها في الإناء دون النظر إليه. وتلتقط خاتمًا فتكون صاحبته هي الفائزة بالفال الطيب “البوقالة”. ثم ينتظرن سماع أو رؤية أي إشارة تدل على أن الفال سيتحقق.
وتعتبر نبتة “الحبق”، أي الريحان، هي المفضلة لدى سكان القصبة، ولا يوجد منزل واحد يخلو منها، وهي زينة النوافذ والشرفات. وعلى رائحته الطيبة تعلو تغاريد طائر “الحسون” ويمتع المارة بأصوات عذبة تكاد لا تتوقف. ويحرص شباب المنطقة حرصًا لافتًا على اقتنائه وتربيته في أقفاص جميلة ومميزة. ويتبارون في ما بينهم على من يكون أعذبها صوتًا، وأطولها نفساء وأجملها شكلًا وأكبرها حجمًا.
ومما يسترعي الانتباه من تقاليد الحي، تثبيت أحدهم كمية صغيرة من النعناع وراء أذنه. وذلك عند خروجه من منزله للعمل، أو التسوق، أو التنزه، أو للقاء الأصدقاء بالمقهى. ولا يعلم سر ذلك حتى الآن سوى قلة من أهل القصبة الأصليين. وذلك يعني عندهم أن لدى هذا الرجل فتاة في سن الزواج ويتم الإعلان عن ذلك بالنعناع.
والمفارقة أن منازل حي القصبة قريبة جدًا من بعضها، وتكاد تكون متلاصقة، وجميع سكانها يتعارفون في ما بينهم منذ الجدود. ومع ذلك يضطر الرجل إلى استعمال هذه الحيلة، وهو دليل على أن مجتمع القصبة محافظ إلى درجة أن ظهور المرأة كان نادرًا.

أفراح أصيلة والهوية الوطنية

وتبرز أهم العادات والتقاليد الأصلية لسكان القصبة، خاصة في الأفراح، لأن الأفراح القصبة نكهة خاصة يربطها المؤرخون بالزمن الجميل. إذ لا تزال العائلات تلتزم بحمام العروس، الذي يتم في حمام بخار على الطراز التركي، تدخله العروس وسط الشموع والزغاريد.
والمتأمل في شخصية أهل القصبة، وفي طبيعة الحياة فيها، سيلاحظ بسهولة من خلال مفردات حياتهم اليومية العادية أنها مزيج بين الثقافة الجزائرية والروح التركية. وذلك بعد أن اختلط الجزائريون والأتراك منذ خمسة قرون.
كثيرًا ما خلدت الأعمال الأدبية والفنية والتشكيلية قصبة الجزائر من زاوية تاريخية؛ لأنها من أكثر أحياء العاصمة الجزائرية التي شهدت أحداث الثورة التحريرية المسلحة، واحتضنتها. وعرفت منازلها وأزقتها مواجهات بطولية من شباب الحي ضد الاستعمار الفرنسي.
ولا تخلو الأفلام الوثائقية حول تاريخ الثورة الجزائرية من مشاهد غليان أبناء القصبة ضد الظلم الاستعماري، كما خلدتها الأفلام الروائية العديدة التي تناولت الوقائع الحقيقية في إطار درامي. ومن أشهر هذه الأفلام “معركة الجزائر”. وقد تم تصوير معظم مناظره بحي القصبة الذي كان بالفعل مسرح الأحداث الحقيقية.
وحديثًا بدأ الاهتمام بتناول القصبة من زاوية اجتماعية وتراثية، لأنها تبقى الرمز الحي لمفهوم الوطنية. والمثال الجلي على معنى الانتماء الذي حفظ الهوية وحمى الأصالة وصانها من محاولات الانسلاخ وتشويه مقومات الشخصية الوطنية.