في هذا اللقاء، لم نسعَ إلى تتبع محطات السيرة أو استعراض المنجز الأدبي بقدر ما حاولنا الاقتراب من الإنسان الذي يقف خلف الكلمة. الإنسان الذي يرى في الكتابة وسيلةً لفهم ذاته، وفي التجربة بابًا لفهم الآخرين، وفي الأسئلة طريقًا لا ينتهي نحو اكتشاف الحياة.
خلال هذا الحوار، بدا محمد الماضي وفيًّا للفكرة التي تكررت بين سطور إجاباته؛ أن الإنسان لا يُعرَّف بما يحققه فقط. بل بما يبقى وفيًا له وهو يسير في طريقه. لذلك لم يكن حديثه عن الأدب منفصلا ً عن حديثه عن الوعي، و لا عن الألم، و لا عن الصدق. ولا عن تلك الرحلة الطويلة التي يخوضها الكاتب مع نفسه قبل أن يخوضها مع قارئه.
وهنا، لم تكن غايتنا أن نقدّم صورة مكتملة، فالشخصيات التي تعيش في رحاب الفكر والأدب لا تختصر في لقاء واحد. لكنها قد تترك نافذةً يرى القارئ منها شيئًا من عالمها. ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذا الحوار، أنه لا يقرأ إجابات كاتب فحسب، بل يرافق إنسانًا اختار أن يجعل من الكلمة وسيلةً للبحث، ومن الأدب رحلةً لاكتشاف الإنسان.
لو طلب منكم أن تعرّفوا أنفسكم بعيدًا عن الألقاب الأدبية، كيف سيكون هذا التعريف؟
أنا إنسان يحاول أن يفهم العالم قبل أن يحكم عليه. لا أبحث عن اليقين بقدر ما أبحث عن المعنى. ولا أؤمن أن الإنسان يختصر في مهنة أو لقب أو إنجاز. كل ما كتبته، و كل ما عشته. كان محاولة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا رغم كل ما يفقده في الطريق؟ وما الأدب بالنسبة لي إلا إحدى الوسائل التي أحاول بها الاقتراب من هذا الجواب.
منذ الجواب الأول، يختار محمد الماضي أن يبتعد عن كل ما قد يعرّفه به الآخرون؛ فلا يبدأ بمسيرته الأدبية، و لا بعدد مؤلفاته. و لا بالألقاب التي ارتبط بها اسمه، بل يعود إلى ما يراه جوهرًا سابقًا لكل ذلك: الإنسان.
وتكشف هذه الإجابة عن شخصية لا تنشغل بإصدار الأحكام بقدر انشغالها بمحاولة الفهم. فالبحث عن المعنى يتقدم لديه على البحث عن اليقين، وكأن الحياة، في نظره، ليست مجموعة إجابات جاهزة، بل أسئلة متجددة تستحق التأمل أكثر مما تستحق الحسم.
ولهذا لا يبدو الأدب عنده غايةً مستقلة، وإنما وسيلة يقترب بها من ذلك السؤال الذي ظل يرافقه: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته، رغم ما تفرضه عليه الحياة من خسارات وتغيرات؟
ولعل اللافت أن هذه الفكرة لا تقدم تعريفًا لشخصه فحسب، بل ترسم منذ البداية ملامح الحوار كله. فمن خلال هذا الجواب، يدرك القارئ أنه لا يدخل إلى لقاء يبحث عن سيرة كاتب. بل إلى رحلة فكرية وإنسانية، ستكون الكلمة فيها جسرًا لفهم الإنسان قبل أي شيء آخر.
هل تشعرون أن الأدب كان خيارًا اتخذتموه، أم طريقًا وجدكم قبل أن تجدوه؟
أظن أن الأدب هو الذي وجدني. لم أجلس يومًا وأقرر أن أصبح كاتبًا، بل وجدت نفسي أكتب لأن الصمت لم يعد يتسع لما بداخلي. كانت الكتابة في البداية استجابة داخلية، ثم تحولت مع السنوات إلى مسؤولية تجاه الفكرة، وتجاه القارئ، وتجاه نفسي. أحيانًا نظن أننا اخترنا الطريق، ثم نكتشف بعد زمن أن الطريق كان يعدّنا له منذ البداية.
حين يعود محمد الماضي إلى البدايات، لا يروي قصة قرارٍ اتخذه في لحظة حاسمة، بل يتحدث عن انجذاب هادئ إلى الكتابة. وكأنها كانت تنمو داخله قبل أن يدرك اسمها. لذلك لا تبدو الكتابة هنا مشروعًا اختاره بعقله. بقدر ما تبدو استجابةً لصوت داخلي وجد فيها اللغة الوحيدة القادرة على احتواء ما لم يستطع الصمت أن يحمله.
ومع امتداد التجربة، تغيّر موقع الكتابة في حياته. فما بدأ كحاجة شخصية، أصبح مسؤولية أخلاقية وفكرية تجاه الكلمة، وتجاه القارئ، وتجاه ذاته أيضا. وهي إشارة تكشف أن العلاقة بين الكاتب ونصه، في نظره، لا تتوقف عند التعبير. بل تمتد إلى الالتزام بما يكتبه، وكأن الكلمة تحمل صاحبها من المسؤولية بقدر ما تمنحه من الحرية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الإجابة تلك الفكرة التي تختتمها؛ أن الإنسان قد يظن أنه اختار طريقه، ثم يكتشف لاحقًا أن الطريق كان يُعدّه منذ زمن. وهي رؤية تمنح التجربة الأدبية بعدًا يتجاوز الموهبة أو القرار، لتصبح رحلة تتشكل بهدوء، حتى يدرك الإنسان أنه كان يسير نحوها قبل أن يعرف وجهتها.
ما أول مشهد من طفولتكم لا يزال حاضرًا في كتاباتكم، حتى وإن لم تذكروه صراحة؟
أعتقد أنه مشهد التأمل أكثر من كونه حدثًا بعينه. كنت أراقب الناس كثيرًا، وأتساءل عن الأسباب التي تجعل كل إنسان يختلف عن الآخر، حتى وإن عاشوا المكان نفسه والزمان نفسه. ربما لم أكتب ذلك المشهد كما حدث، لكنه بقي في داخلي وتحول مع السنوات إلى شغف بفهم النفس البشرية، وهو الشغف الذي يتكرر في معظم أعمالي.
لا يستحضر محمد الماضي من طفولته مشهدًا مليئًا بالأحداث، ولا يروي ذكرى استثنائية صنعت مساره، بل يختار أمرًا أكثر خفاءً؛ عادة التأمل. فمنذ سنواته الأولى، يبدو أن فضوله لم يكن متجهًا نحو ما يفعله الناس، بقدر ما كان متجهًا إلى محاولة فهم دوافعهم، واكتشاف ما يجعل كل إنسان مختلفًا عن الآخر، حتى وإن تشابهت الظروف من حولهم.
وهنا تتضح إحدى الركائز التي تقوم عليها تجربته الأدبية؛ فالاهتمام بالنفس البشرية لم يولد مع الكتابة، بل سبقها بسنوات طويلة، حتى أصبح جزءً من طريقته في النظر إلى العالم. و كأن الروايات والمقالات التي كتبها لم تكن سوى امتداد لذلك الطفل الذي كان يراقب بصمت، ويطرح الأسئلة التي لم يكن يجد لها إجابات جاهزة.
ولعل هذه الإجابة تمنح القارئ مفتاحًا مهمًا لفهم مشروعه الأدبي كله؛ إذ يبدو أن الشخصيات التي يكتبها ليست مجرد خيال، بل ثمرة مراقبة طويلة للإنسان، ومحاولة مستمرة لاكتشاف ما يدور خلف الوجوه والكلمات. ومن هنا، يصبح الأدب لديه استمرارًا لذلك الفضول القديم الذي بدأ في الطفولة، ولم يتوقف حتى اليوم.
من أول شخص جعلكم ترون أنفسكم بطريقة مختلفة؟
أعتقد أن أول من جعلني أرى نفسي بطريقة مختلفة لم يكن شخصًا آمن بي، بل شخصًا شكّ فيّ. في المرحلة المتوسطة قال لي أحد المعلمين:» لا تحاول أن تكتب كثيرًا، فلن تصبح نزار قباني و لا محمود درويش، ركّز على دراستك.« لا أظنه أراد أن يخذلني، وربما كان يعتقد أنه ينصحني.
لكن تلك الجملة بقيت في داخلي سنوات، لا لأنها أوقفتني، بل لأنها دفعتني إلى سؤال لم يفارقني: وهل يجب أن أصبح أحدًا آخر حتى أستحق أن أكتب؟ عندها أدركت أن الناس لا يغيّروننا بالطريقة التي يروننا بها فقط، بل بالطريقة التي نجبر أنفسنا على أن نجيب بها عن أحكامهم.
ومنذ ذلك الوقت لم أعد أحاول أن أكون امتدادًا لأحد، بل أحاول أن أكتب بالصوت الذي يشبهني. فالكاتب لا يُقاس بمن يشبه، بل بما يضيف، وربما لهذا السبب يكتشف الإنسان نفسه أحيانًا في عيون الآخرين، قبل أن يكتشفها في المرآة.
ما بين السطور
ليست كل الكلمات التي تغيّر الإنسان كلمات تشجيع؛ فبعضها يبدأ كعبارة عابرة، ثم يتحول مع الزمن إلى سؤال يعيد تشكيل صاحبه. وهذا ما تكشفه هذه الإجابة، إذ لا يتوقف محمد الماضي عند الموقف ذاته، بل عند الأثر الذي تركه داخله، و كيف حوّل الشك إلى مساحة للتأمل، لا إلى سبب للتراجع.
ومن اللافت أنه لا يحم ّ ل تلك العبارة أكثر مما تحتمل، ولا يصوغها بوصفها لحظة انكسار، بل يقرأها بعين أكثر هدوءًا ونضجًا. فالمعلم، في نظره، لم يكن خصم ً ا، وإنما شخصًا قال ما رآه آنذاك. أما التحول الحقيقي، فقد حدث في الطريقة التي اختار بها أن يستقبل تلك الكلمات. حتى أصبحت بداية لسؤال ظل يرافقه: هل يستحق الإنسان أن يعبّر عن صوته، حتى وإن لم يشبه أحدًا؟
ولعل هذه الإجابة تكشف إحدى السمات الأبرز في شخصيته؛ فهو لا يبحث عن المقارنة، بل عن الأصالة. لذلك لم يكن همه أن يسير في ظل الأسماء الكبيرة، وإنما أن يصل إلى صوته الخاص، ذلك الصوت الذي لا يكتسب قيمته لأنه يشبه غيره، بل لأنه يعبّر بصدق عن صاحبه.
هل سبق أن فاجأتكم شخصية كتبتموها، حتى شعرتم أنها تعرف عنكم أكثر مما تعرفونه أنتم؟
نعم، وأكثر من مرة. هناك شخصيات بدأت كفكرة، ثم تحولت أثناء الكتابة إلى مرآة. كنت أظن أنني أقودها، ثم اكتشفت أنها تقودني إلى مناطق في داخلي لم أزرها من قبل. أحيانًا ينتهي الكاتب من الرواية وهو يشعر أن الشخصية لم تكن من اختراعه، بل كانت تنتظره منذ زمن ليمنحها اسما فقط.
ما بين السطور
في هذه الإجابة، تتلاشى المسافة التقليدية بين الكاتب وشخصياته. فمحمد الماضي لا يقدّمها بوصفها مخلوقات يبتكرها من خياله، بل بوصفها مرايا تعيد إليه أجزاءً من نفسه لم يكن قد انتبه إليها من قبل. و كأن الكتابة، في لحظات معينة، لا تصبح فعل خلقٍ بقدر ما تصبح فعل اكتشاف.
ومن الجميل أنه يقلب الصورة التي اعتادها القارئ؛ فبدل أن يكون الكاتب هو من يقود شخصياته، تصبح الشخصيات هي التي تقوده إلى أسئلة جديدة عن ذاته. وهذا يفسر لماذا تبدو نصوصه، كما أوحت إجاباته طوال اللقاء، رحلةً متواصلة لفهم النفس، لا مجرد حكايات تروى على الورق.
ولعل أكثر ما يميز هذه الرؤية أنها تمنح الأدب حياة مستقلة؛ فالشخصية ليست أداة في يد الكاتب، وإنما كائن ينمو معه، ويكشف له ما لم يكن يراه في نفسه. وهنا تصبح الكتابة شراكة بين الإنسان وخياله، وبين التجربة وما تتركه من أثر، حتى يبدو أن كل عمل جديد لا يضيف صفحة إلى مكتبة الكاتب فحسب، بل يضيف صفحة أخرى إلى معرفته بنفسه.
عندما تتعبون.. إلى أين تذهبون داخل أنفسكم؟
أعود إلى الفكرة الأولى التي جعلتني أكتب. أسأل نفسي: لماذا بدأت؟ فإذا وجدت أن الجواب لا يزال حيًا، أدرك أن التعب مؤقت. لا أهرب من نفسي عندما أتعب، بل أحاول أن أقترب منها أكثر. تعلّمت أن الإنسان لا يتجاوز إرهاقه بمحاربة ضعفه، وإنما بفهمه.
ما بين السطور
لا يتحدث محمد الماضي عن التعب بوصفه محطة تستدعي الهروب أو التوقف، بل بوصفه دعوة للعودة إلى البدايات. فحين تتراكم الأعباء، لا يبحث عن دافع جديد بقدر ما يعود إلى السبب الأول الذي دفعه إلى الكتابة، وكأن الإنسان، كلما ابتعد عن نقطة انطلاقه، احتاج أن يزورها من جديد ليتأكد أن الطريق ما زال يشبهه.
وتكشف هذه الإجابة عن علاقة هادئة مع الذات؛ فهو لا ينظر إلى الضعف باعتباره خصم ً ا ينبغي الانتصار عليه، بل جزءًا من التجربة يستحق الفهم قبل أي شيء آخر. وهي نظرة تمنح التعب معنى مختلفًا، إذ يصبح فرصةً للتأمل، لا علامةً على الانكسار.
ولعل اللافت في هذه الرؤية أنها تتسق مع معظم أفكاره التي ظهرت في هذا اللقاء؛ فكلما واجه سؤالا ً عن الصعوبات، كان يعود إلى الداخل، وكأن الإجابات التي يبحث عنها لا تبدأ من الظروف، بل من الإنسان نفسه. ومن هنا، تبدو العودة إلى الذات عنده ليست انسحابًا من العالم، وإنما وسيلة للعودة إليه بصورة أكثر اتزانًا.
كيف غيّركم الألم؟
الألم لم يجعلني أقوى كما يقال عادة، بل جعلني أكثر فهم ً ا للإنسان. علّمني ألا أتعجل في الحكم على أحد، لأن لكل إنسان معركة لا يراها الآخرون. كما علّمني أن الهشاشة ليست نقيض القوة، بل أحد وجوهها. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أؤمن أن الرحمة ليست فضيلة إضافية، بل ضرورة لفهم الحياة.
ما بين السطور
في هذه الإجابة، يبتعد محمد الماضي عن الصورة التقليدية التي تمجد الألم بوصفه طريقًا إلى القوة، ويختار معنى أكثر إنسانية وهدوءً. فهو لا يقيس أثر التجارب بما منحته من صلابة، بل بما وس عته من قدرة على فهم الآخرين، و كأن الألم الحقيقي لا يغيّر ملامح الإنسان، بل يغيّر الطريقة التي ينظر بها إلى من حوله.
ومن الجميل أن الرحمة تظهر هنا نتيجة طبيعية للتجربة، لا قيمةً نظرية يتبناها. فحين يدرك الإنسان أن لكل شخص معركة خفية لا يراها أحد، يصبح أقل ميلا ً إلى الأحكام السريعة، وأكثر استعدادًا للإصغاء قبل إصدار المواقف. وربما لهذا جاءت الهشاشة في حديثه بوصفها امتدادًا للقوة، لا نقيضًا لها؛ فالإنسان لا يصبح أضعف لأنه يشعر، بل يصبح أكثر نضجًا حين يفهم ما يشعر به الآخرون أيضًا.
وتبدو هذه الإجابة امتدادًا لما تكرر منذ بداية الحوار؛ فالبحث عن الإنسان ظل حاضرًا في كل محطة، حتى حين كان الحديث عن الألم. و كأن التجارب القاسية، في نظره، لم تُبعده عن الناس، بل قرّبته منهم، ومنحته قدرة أكبر على رؤية ما لا يُقال، وفهم ما لا يظهر على السطح.
متى سامحتم أنفسكم؟
حين أدركت أنني كنت أطالب نفسي بالكمال، بينما الحياة لا تطلب من الإنسان إلا أن يكون صادقًا في محاولته. سامحت نفسي عندما فهمت أن الأخطاء ليست دائمًا دليلا ً على سوء الاختيار، بل أحيانًا يكون الثمن الطبيعي للنمو. ومنذ ذلك الوقت، أدركت أن الإنسان لا ينضج عندما يتوقف عن الخطأ، بل عندما يتوقف عن معاقبة نفسه إلى الأبد.
ربما تحمل هذه الإجابة واحدة من أكثر لحظات الحوار صدقًا وهدوءً. فهي لا تتحدث عن إنجاز أو تجربة، بل عن علاقة الإنسان بنفسه؛ تلك العلاقة التي قد تكون أحيانًا أكثر قسوة من أي ظرف خارجي. ويبدو أن محمد الماضي لا يرى التسامح مع الذات ضعفًا أو تبريرًا للأخطاء، بل مرحلة يصل إليها الإنسان حين يدرك أن الكمال ليس معيارًا للحياة، وأن المحاولة الصادقة تستحق من الرحمة بقدر ما تستحق من المراجعة.
وتكشف هذه الإجابة أيضًا عن نضجٍ في النظر إلى التجربة الإنسانية؛ فالأخطاء لا تُقدَّم هنا بوصفها نهاية الطريق، وإنما بوصفها جزءً من تكوين الإنسان. وما يصنع الفرق، في نظره، ليس عدد المرات التي يتعثر فيها المرء، بل قدرته على أن يتعلم دون أن يبقى أسيرًا لما مضى.
ولعل أكثر ما يلامس القارئ في هذا الحديث هو تلك الدعوة غير المباشرة إلى التخفيف من ثقل الأحكام التي نصدرها على أنفسنا. فالنضج، كما يراه، لا يبدأ حين تختفي الأخطاء، بل حين نتوقف عن جعلها هويةً دائمة لنا، ونسمح لأنفسنا بأن تنمو كما تنمو الحياة؛ بالتجربة، والمحاولة، والتعلّم.
لو كانت هذه آخر صفحة ستكتبونها في حياتكم، فبأي جملة تودون أن تختموا رحلتكم؟
أود أن أقول: “عشت ُ باحثًا عن المعنى أكثر من بحثي عن المجد، فإن أصبت ُ فذلك فضل ٌ من الله، وإن أخطأت، فقد” حاولت أن أكون صادقًا مع الكلمة، ومع الإنسان الذي كنتُه حتى الصفحة الأخيرة.
ما بين السطور
حين يسأل الكاتب عن آخر ما يود أن يتركه، فإنه غالبًا يختصر في جملة واحدة ما استغرق عمرًا كاملا ً في البحث عنه. وهكذا جاءت إجابة محمد الماضي؛ ليست خاتمة لكتاب فحسب، بل خلاصة لفلسفةٍ رافقته في الحياة والكتابة معًا.
فاللافت أن المجد لا يحتل مركز المشهد في هذه العبارة، بل يفسح الطريق للمعنى، و كأن القيمة الحقيقية لأي رحلة لا تُقاس بما تحققه من شهرة، وإنما بما تتركه من صدق في صاحبها. كما أن نسب الصواب إلى فضل الله، والاعتراف بإمكانية الخطأ، يمنحان هذه الكلمات تواضعًا ينسجم مع النبرة التي سادت اللقاء منذ بدايته.
وفي النهاية، تبدو الجملة الأخيرة و كأنها الوعد الذي ظل يرافقه طوال رحلته؛ أن يبقى وفيًّا للكلمة، وللإنسان الذي يكتبها. وربما لهذا لا تبدو هذه العبارة وداعًا بقدر ما تبدو شهادة هادئة على حياة اختارت أن تجعل من الصدق معيارها الأول.
ما السؤال الذي تمنّيتم يومًا أن يُطرح عليكم، ولم يسألكم إياه أحد؟
بعد كل ما كتبته، هل غيّرتك الكتابة أكثر، أم غيّرت قرّاءك؟” لأنني أعتقد أن الناس ربما هذا السؤال: “كثيرًا ما يسألون الكاتب عما تركه في كتبه، و لا يسألونه عما تركته كتبه فيه. والحقيقة أنني لا أخرج من أي عمل أدبي كما دخلته.
كل رواية، وكل مقال، وكل فكرة، تعيد تشكيل شيء في داخلي قبل أن تصل إلى القارئ. ولعل أعظم ما منحتني إياه الكتابة أنها لم تجعلني أكتب عن الحياة فحسب. بل جعلتني أعيشها بوعيٍ أعمق، وبأسئلة أكثر، ويقينٍ أقل، وهذا في نظري أجمل ما يمكن أن تهبه الكتابة للإنسان.
ما بين السطور
من بين جميع الأسئلة التي طرحت خلال هذا اللقاء، اختار محمد الماضي سؤالًا لم يوجه إليه من قبل، لكنه بدا و كأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليجيب عنه. فبدل أن يتحدث عن أثره في قرائه، أعاد توجيه الضوء إلى الأثر الذي تركته الكتابة فيه هو، وكأن الكاتب، قبل أن يغيّر الآخرين، يخوض رحلة تغييرٍ لا تتوقف داخل نفسه.
وتكشف هذه الإجابة أن الكتابة، بالنسبة إليه، ليست وسيلة لنقل الأفكار فحسب، بل تجربة تعيد تشكيل صاحبها مع كل نص جديد. فكل عمل يكتبه يترك فيه أثرًا، ويمنحه طريقة مختلفة للنظر إلى الحياة، حتى يصبح هو نفسه أحد المتعلمين من رحلته
الإبداعية.
ولعل أكثر ما يميز ختام هذه الإجابة تلك الفكرة التي تلخص روح اللقاء بأكمله؛ فكلما ازداد اقترابه من الأدب، ازداد وعيه، واتسعت أسئلته، وتخفف من وهم امتلاك الإجابات النهائية. وهنا يترك محمد الماضي للقارئ رسالة غير مباشرة؛ أن المعرفة الحقيقية لا تجعل الإنسان أكثر يقينًا بنفسه، بقدر ما تجعله أكثر تواضعًا أمام اتساع الحياة، وأكثر استعدادًا لمواصلة البحث عن معناها.
ختام اللقاء
في نهاية هذا الحوار، بدا واضحًا أننا لم نكن أمام حديث ٍ عن الأدب وحده، بل أمام رحلةٍ في الإنسان؛ في أسئلته، وتأملاته، وما تصنعه التجارب في أعماقه. كانت الكتابة حاضرة في كل إجابة، لكنها لم تكن سوى نافذة أطللنا منها على رؤيةٍ أوسع للحياة، وللمعنى، وللعلاقة التي تربط الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله.
نتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ محمد الماضي على رحابة صدره، وصدق إجاباته، وعلى هذا الحوار الذي منحنا فرصةً للتأمل بقدر ما منحنا متعة القراءة.
شكرًا لكم على هذه الرحلة الثرية، ونتمنى أن يبقى قلمكم شاهدًا على بحث ٍ لا ينتهي عن المعنى، وأن يظل الأدب، كما عهدناه في كلماتكم، مساحةً يلتقي فيها الإنسان بنفسه قبل أن يلتقي بالآخرين.
الرابط المختصر :



















