إن تفاوت الإيمان في القلوب واختلاف مراتبه زيادةً ونقصانًا، يعود إلى أحوال العباد من حيث قوة إقبالهم على العبادة والطاعة واجتناب الخطيئة. فحسب قوة إيمان العبد مع ربه وتطويع نفسه وجوارحه له يكون في رقي دائم. وينقص ذلك ويضعف وفق بعده وجفائه.
إن من المصيبة ألا يشعر العبد بثمرة ما يؤدي من العبادات، فتراه راكعًا ساجدًا، وما أن يفرغ من صلاته حتى يعود إلى ما كان عليه من المعاصي والأخطاء. وكأنه أمن على دعاء الداعين بلسانه دون قلبه.
سؤال يطرح نفسه، ولزامًا أن يجيب عنه كل منا بصدقٍ وتجرد، كم يصلي الواحد منا من صلاة؟ وكم يسمع من الآيات؟ وكم يرى من العبر والعظات؟ تعود المرضى، وتشيع الجنائز، ثم لا يرى تغيرًا في أحوال كثيرٍ من الناس. فأین أثر العبادة والموعظة؟ وأين التلذذ بسماع الآيات؟ أین قرة العين عند أداء الصلاة؟ أين استشعار العوض الإلهي عند أداء الصدقة؟ أسئلة تقوى، تحتم على كثير منا أن يتفقد نفسه تفقد صدق وتجرد ومحاسبة.
أليس من التناقض أن يتفقد الإنسان طعامه وشرابه ولباسه. ويعرف أدنى تغير يؤثر في لذة طعمه أو تذوقه أو ملبسه. يعرف ذلك ويسارع إلى إصلاحه حتى يكتمل له تنعمه. وفي المقابل لا يتفقد حال عباداته وأثرها في نفسه وجوارحه.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: “قلّة التَّوْفِيق، وفسَاد الرَّأْي، وخفاء الحق، وفسَاد القلب، وخمول الذّكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربّه، ومنع إِجابة الدُّعَاء، وقسوة القلب، ومحق البركة فِي الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصَّدْر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، تتولّد من المعصِيَة والغفلة عن ذكر الله، كما يتولّد الزَّرْع عَن المَاء والإحراق عَن النَّار، وأضداد هذِه تتولد عن الطَّاعة”.

إن من أسباب عدم التلذذ بالعبادة والشعور بروحانيتها، اقتراف المعاصي والآثام، وكلما أوغل الإنسان فيها وأدام عليها، زاد حرمانه وبعده عن حلاوة العبادة. وتلك الأمور لا تحرم العبد من لذة المناجاة والتعبد فحسب بل تزيد قلبه قسوةً وغلظةً وجفاءً.
كما قال بعض السلف: “ما ضرب الله عبدًا بعقوبة أعظم من قسوة القلب”، ويا من فقد لذة العبادة وحلاوتها، سارع إلى تفقد نفسك واحرص على أن تزيل عنك ما دنس صفاء عبادتك، فما ربك بظلام للعبيد.
بينما سئل وهيب بن الورد رحمه الله تعالى فقيل له: “متى يفقد العبد لذة العبادة إذا وقع في المعصية أو إذا فرغ منها؟ فقال: يفقد لذة العبادة إذا هم بالمعصية”.
وبكل حال فالمعصية كالألم كلما زاد وقوى سريانه، اشتد خطره و عاقبته قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “من عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد شاء أم أبى”. [الداء والدواء ص193].
كما أن ثمرة التلذذ بالعبادة وروحانيتها، مرهونة بإخلاص العمل لله تعالى، واتباعه هدي النبي ففي ذلك جماع الخير كله.
ولهذا أخبر الله عن عظيم نعمته وتفضله فقال :”وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُون فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ“. الحجرات (7-8).
الرابط المختصر :



















