جميل محمود.. «هرم الحجاز» وحارس التراث الغنائي السعودي

جميل محمود.. "هرم الحجاز" وحارس التراث الغنائي السعودي
جميل محمود.. "هرم الحجاز" وحارس التراث الغنائي السعودي

في تاريخ الفن السعودي، تبرز أسماء لم تكتفِ بتقديم الأغنية الجميلة فحسب، بل تحولت إلى مؤسسات فنية تمشي على قدمين. ومن بين هذه القامات الشامخة، يتجلى اسم الفنان القدير جميل محمود، الملقب بـ “هرم الحجاز”. الذي استطاع ببراعة نادرة أن يجمع بين صرامة الانضباط العسكري وعذوبة النغم الحجازي الأصيل، ليصبح أحد أهم رواد التوثيق الفني وأفضل حراس الموروث في المملكة.

البدايات: من أزقة مكة إلى شاشات أرامكو

بحسب “alriyadh”ولد جميل محمود عام 1940 في حي المسفلة العريق بمكة المكرمة. ونشأ في بيئة تذوقت الفن الأصيل، حيث كان والده مستمعًا جيدًا للأدوار الموسيقية العظيمة. بدأت موهبته تتشكل في ردهات المدارس، حتى التقطه الشاعر الكبير طاهر زمخشري ليقدمه في برامج الأطفال بالإذاعة، مسجلًا بذلك أول ظهور لصوته.

أما المحطة التاريخية الأبرز، فكانت في المنطقة الشرقية. حيث يسجل لجميل محمود كونه أول فنان سعودي يظهر مغنيًا على شاشة التلفزيون بالمملكة عبر تلفزيون “شركة أرامكو”. وكان ذلك بتسجيل سينمائي يتوافق مع بدايات العمل الإعلامي في تلك الحقبة.

ثنائية “العسكرية والفن

عاش جميل محمود حياة استثنائية وزع فيها شغفه بين الواجب الوطني والموهبة الفنية. فبعد ابتعاثه لمصر لدراسة العلوم العسكرية عام 1957، استثمر وجوده في القاهرة لتعلم العزف على العود. وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة “عقيد”، متقلدًا مناصب أمنية رفيعة في المرور والجوازات والتحقيقات الجنائية، وحاز على أوسمة دولية رفيعة من ملوك ورؤساء دول مثل الملك فيصل، وملك إسبانيا، ورؤساء فرنسا وفنزويلا.

جميل محمود.. “هرم الحجاز” وحارس التراث الغنائي السعودي

مدرسة الألحان و”وتر وسمر

لم يكن جميل محمود مجرد مؤدٍ، بل كان ملحنًا من طراز رفيع. عرف بعشقه للقصائد الفصحى وتلذذه بصياغة مقاماتها. ومن أشهر ألحانه:

  • عربيًا: تعاون مع وديع الصافي في “كعبة الإلهام”، وهيام يونس في “سمراء”، وشريفة فاضل، ورجاء بالمليح.
  • محليًا: شدا بألحانه كبار النجوم، بدءًا من طلال مداح وعبادي الجوهر، وصولًا إلى عبد المجيد عبد الله وابتسام لطفي.

وفي عام 1982، قدم برنامجه الخالد “وتر وسمر”، الذي استمر خمس سنوات، وكان بمثابة “أرشيف حي” وثق فيه الموروث الفني السعودي، واستضاف فيه قامات فنية عظيمة، مما جعله مرجعًا تعليميًا للأجيال التي تلتها.

أحدية العم جميل”.. صالون الفن والانضباط

بعد تقاعده، لم يبتعد “العم جميل” عن رسالته، بل حول مجلسه في مكة المكرمة في كل يوم أحد إلى مدرسة فنية يطلق عليها “الأحدية. في هذا المجلس، تظهر لمسات القائد العسكري؛ حيث يفرض صمت مهيب أثناء الغناء. ويمنع الحوار أو حتى إلقاء التحية إلا بعد انتهاء الوصلة الطربية، وذلك تقديرًا للفن وصونًا لهيبة المقام الموسيقي. تهدف هذه الأحدية إلى حماية التراث وتوجيه الأصوات الشابة نحو الطريق الصحيح.

جميل محمود.. “هرم الحجاز” وحارس التراث الغنائي السعودي

تكريم المسيرة

توجت مسيرة “هرم الحجاز” بالعديد من الدروع والأوسمة، منها درع مهرجان الرواد العرب تحت مظلة جامعة الدول العربية، ودرع مهرجان المفتاحة. ويبقى جميل محمود اليوم رمزاً للفنان الذي أثرى المكتبة الغنائية بـ “الدانات المكية” ونغم “يماني الكف”، محافظًا على الهوية السعودية في أبهى صورها.

إن تجربة جميل محمود هي برهان على أن الفن لا يتعارض مع الحزم. وأن التراث يحتاج إلى “حارس” يمتلك ذائقة الموسيقي وعين الرقيب. ليظل النغم السعودي أصيلًا، عابرًا للأجيال والحدود.

الرابط المختصر :