جميلات في مهنة الموت

عندما اقتحمت المرأة مجال العمل الأمني أثارت العديد من ردود الفعل المختلفة بين مرحب أقرب إلى المشجع. ورافض أقرب إلى المستهجن، ومتحفظ أقرب إلى الحائر. بينما اعتبرت الكثيرات من الشرطيات أن عملهن كان حلمًا جميلًا وكن يلهثن من أجل تحقيقه.

يضعنا منطق الأشياء أمام فرضية أخلاقية مهمة وهي أنه طالما عصابات الإجرام تضم عناصر نسائية أعلنت صراحة عداءها للمجتمع فهتكت حرمته، وتعدت على القوانين وتنكرت للأعراف فإن “الواجب” يفرض أن يضم سلك الأمن شرطيات للتعامل مع المجرمات في إطار احترام حرمة الذات النسائية والتصرف بدون خدش الحياء.

تخصص المرأة في مجالات جديدة

لقد شوهدت المرأة في مجال شرطة المرور بالعواصم والمدن الكبرى، وفي العمل الإداري المباشر مع ملفات المواطنين وقضاياهم. وفي أقسام شرطة الحدود ومصالح الجمارك بالموانئ والمطارات. ومصالح شرطة الآداب وفي عنابر السجينات.

ولكن مع اتساع عالم الجريمة وتنوعها تخصصت الكثيرات في عوالم أخرى لم تطأها قدم امرأة من قبل في مجال مكافحة الظواهر السلبية. كالاتجار بالبشر، والاختطاف، وشبكات الدعارة، وتزييف الأموال، والهجرة السرية. والجرائم الإلكترونية والتزوير، بالإضافة إلى جرائم السرقة والقتل.

ولا شك أن الحس الأمني الوطني الذي تملكهن قد غلب نبض أنوثتهن وكان وراء تحريك رغباتهن للانضمام إلى وحدات الأمن المختصة. ولكن أن يصل الأمر إلى حد مشاركة الفتيات في جهود مكافحة أسباب الجريمة ومظاهر الفساد.  ثم الانضمام إلى الفرق الأمنية الخاصة بمحاربة مختلف أشكال ظاهرة الإرهاب والعمل المسلح.

والإقبال على المخاطرة بالتواجد في الخطوط الأمامية أثناء تبادل إطلاق النار مع عناصر الجماعات المسلحة. فذلك يمثل الاستثناء خاصة عندما تخصصت بعضهن في دراسة تقنيات المتفجرات.  ثم عملن في فرق التدخل لإبطال تفجير العبوات الناسفة والقنابل الموقوتة.

لقد هانت عليهن أرواحهن بقدر ما هي عزيزة عندما تعلق الأمر بالتضحية وأداء الواجب. إن يوميات مفككات القنابل  اللاتي ينحدرن من عائلات محافظة فصلًا طويلًا ومستمرًا من الهواجس والمعاناة النفسية وهن يواجهن خطر الموت في أي لحظة بكل شجاعة “رجولية”. ولكن سرعان ما تزول هذه المشاعر بعد نجاح المهمة فتراهن يعودن إلى طبيعتهن كأي امرأة.

مخاطرة بالأرواح في سبيل تفكيك القنابل

الكثيرات منهن جامعيات ومحاسبات ومهندسات معماريات ومهندسات في العلوم الإلكترونية. ومختصات في علم النفس العيادي وعارضات أزياء وأخريات متزوجات وأمهات. ولكن كلهن وقعن في غرام مهنة حلمن بها فجمعن بين الرقة والصرامة، وبين الأنوثة والقوة، والهيبة والخجل. واقتحمن المؤسسة الأمنية.

والآن يؤكدن أنه لا يوجد سبب للتراجع عن اختيار عمرهن، ولا يرين أي خطر في عملية تفكيك القنابل الموقوتة فهي عملية “سهلة ” إذا التزمن بالتعليمات والنقاط الأساسية التي تعلمنها. كما لا يرين أنفسهن بعيدات عن مجال تفكيك القنابل إذ يعتبرن مجرد التفكير في تغيير اختصاصهن هروبًا من تحمل المسؤولية.

ومنهن من ترى أنها ومهمة تفكيك القنابل وجهان لشخص واحد لا يمكن أن يفترقا. وتؤكد أخرى أصرت على معانقة حلم حياتها في أول فرصة أتيحت لها بعد حملها مرتين أن عملها لا يتعارض مع وضعها الاجتماعي كزوجة وأم لطفلين ثالثهما في الطريق.

إنها مهمة الموت التي لا تقبل عليها إلا من كانت تتمتع بالشروط الأساسية التي قد تجعل منها مفككة قنابل ناجحة. إذ يجب إلى جانب الشجاعة وحب المهنة أن تمتلك إحساسًا كبيرًا بالمسؤولية وروح التضحية وإيمانًا عميقًا بأنه لن يصيبها إلا ما كتب لله تعالى لها.

ساعدت أجواء الصرامة والانضباط في الوسط الأمني على إبراز قدرة وكفاءة المرأة العلمية وأكدت امكانياتها العملية على أرض الواقع. عندما وجدت كل الظروف ملائمة للعمل بكل الجد والمثابرة والصبر وإتقان العمل. فاستطاعت أن تحقق الكثير من الانجازات وتثبت لنفسها وللآخرين أحقيتها في التقدير الذي تستحقه.

قد نرى ونسمع أقاويل من تأثروا انفعالا عند وقوع خبر انضمام الفتيات للأمن بوعي التدبر عندهم. فيثيرون الشائعات والأقاويل ليضللوا الناس. ولكن الله تعالى يجد حلا للواعي بمصالح الأمة وسلامة شعبها. فالتاريخ الإسلامي زاخر بالماجدات والمجاهدات والشهيدات من نساء المسلمين خاصة ونساء دول العالم. ولم يحدثنا أحد حينها عن حرمة مشاركتهن الرجل في الذود عن الأوطان والدفاع عن عقيدة الأمة، وحماية شرف وكرامة شعوبها.

الرابط المختصر :