جماليات القصة واللغة
تقوم جمالية القصة على اللغة بوصفها مادتها الأساسية، كما تستمد اللغة جماليتها من حضورها داخل القصة كجنس أدبي يمنحها فضاءً للتشكل والامتداد. فاللغة لا تستمد جمالياتها من بنيتها الذاتية فقط؛ من أصواتها وتراكيبها ومجازاتها ذات الأثر المباشر، بل أيضًا من علاقتها بالجنس الأدبي الذي تنصاع له في تشكيل أبنيتها.
وبهذه العلاقة تتجسد اللغة في أفق جمالي جديد، حيث تكمن طاقتها في قدرتها على التأثير داخل الجنس الأدبي نفسه، باعتباره فضاءً فنيًا للتوصيل الجمالي وتوليد الدلالات.
جماليات البث والتلقي
لدينا أربع حالات دلالية:
الأولى، القصة التي يكبتها الراشد ويوجهها إلى الطفل.
الثانية، القصة التي يكتبها الطفل ويوجهها إلى الطفل.
الثالثة، القصة التي يحكيها الطفل ويكتبها الراشد.
الرابعة، القصة التي يكتبها الطفل ويوجهها إلى الراشد.
كلها احتمالات مشروعة ومتوقعة وقابلة للتطبيق، ولعلنا لا نبتعد كثيرًا من المقصود إذا اكتفينا بالتركيز على الحالتين الأولى والثانية.
في الاحتمال الأول
تعدّ الكتابة للطفل مهمة شاقة؛ لأنها تتطلب خبرة ودراية ووعيًا ورقابة ذاتية. وإذا كانت الخبرة تكتسب بالممارسة، فإن الدراية تسبق هذه الممارسة وتوجّهها. فلكتابة الطفل شروطها وخصائصها التي يفرضها هذا الأدب، ويتعين على الكاتب أن يمتلك وعيًا كاملًا قبل أن يشرع في الكتابة، بينما ترافقه الرقابة الذاتية في كل خطوة يخطّها في النص.
وتكمن صعوبة الكتابة للطفل في أن مسؤولية الكاتب تجاه النشء أكبر بكثير مما هي عليه عند مخاطبة القرّاء البالغين الذين يمتلكون وعيًا نقديًا وقدرة على الحذر والمساءلة والمواجهة. أمّا الطفل، فهشاشته تحمّل الكاتب مسؤولية مضاعفة؛ إذ يظل حرًّا في اختيار موضوعاته، لكنه مضطر إلى تكييف هذه الحرية بما يناسب حاجات الطفل وميوله وآماله والتزاماته.
وفي جميع الأحوال، يظل الكاتب ملزمًا بأن يفي بحقوق الأدب الجمالية، وأن يصوغ نصًا يجمع بين الإمتاع والتوجيه، من غير أن يمسّ حرية الطفل أو يخلّ بقيم الفن.
في الاحتمال الثاني
تعدّ الكتابة القصصية التي يبدعها الأطفال إحدى أبرز الدلالات على تطور أدب الطفل، وعلى نجاح الجهود الرامية لاكتشاف الموهوبين منهم. ويظهر الاطلاع على نماذج من هذه القصص أنّ معظمها. وأجودها على نحو لافت، يأتي من إبداع الفتيات.
وهذا يؤكد أن المرأة، منذ طفولتها المبكرة، تمثل ينبوعًا للحكي، وأن السرد الشفهي في جذوره كان فعلًا نسائيًا بامتياز. كما يشير الحضور الفاعل للفتيات في مجال الكتابة الإبداعية إلى تطور المجتمعات. بل يراه كثيرون ثورة جمالية حقيقية على الهيمنة الذكورية للغة.
لا تكفي المعرفة النظرية بأصول التربية وعلم نفس الطفل ومراحل وعيه الجمالي واهتمامات فئاته العمرية، ولا الإلمام بفضاء أدب الطفل. إذا لم تترافق كل هذه المعارف مع خبرة ميدانية مباشرة في التعامل مع الطفل. فقد كشفت العلوم الإنسانية، التي أصبح الطفل أحد أبرز موضوعاتها. عن الأهمية الحاسمة للسنوات الأولى من الحياة. وعن الطاقة الكامنة في اللاشعور وما يحمله من رغبات وتوترات نفسية وانفعالات وخيال خلاّق.
وقد كانت هذه الخبرات الميدانية الملهمة هي المعين الحقيقي للمبدعين الذين قدموا إسهامات جمالية متميزة في ميدان أدب الطفل. لأنها مكّنتهم من فهم الطفل فهمًا عميقًا وصياغة أعمال تتجاوب مع عالمه الداخلي واحتياجاته الوجدانية.





















