استحدثت الحضارة الإسلامية العديد من المؤسسات الاقتصادية التي تزامنت مع نشوء المدن وتطورها. واستهدفت خدمة المجتمع الإسلامي وتنمية موارده وإنعاش اقتصاده لينعم بالكفاية والأمن والاستقرار.
ومن أهم هذه المؤسسات التي ازدهرت في العصور الوسطى: الأسواق وما ارتبط بها من مؤسسات أخرى مثل: الوكلاء والخانات..
قلب النشاط التجاري ومظهر الازدهار الحضاري
تعتبر الأسواق من المؤسسات الاقتصادية التي اشتهرت في المدن العربية والإسلامية، وكانت تشكل معالم أساسية في هذه المدن. إلى جانب ظهور الأحياء التجارية التي عكست أهمية دور النشاط التجاري في بلوغ الازدهار الاقتصادي للدول.
ونمت الأسواق عبر العصور نموًا كبيرًا وكانت أشبه بالمعارض تعقد بصفة دورية خلال العام أو في مواسم معروفة. وكان من أشهرها سوق “عكاّظ”.
وبعد هجرة الرسول الكريم “صلى الله عليه وسلم” وأصحابه من مكة إلى المدينة أقام المسلمون فيها سوقًا إثر تعنت تجار اليهود وفرضهم رسومًا على كل من يدخل أسواقهم.

وحدد الرسول “صلى الله عليه وسلم” موضع السوق لعلمه بأن الاستقرار لا يتم إلا به؛ فهو مصدر التكسب والتجارة والحرف.
وجاء رجل إلى النبي فقال : إني نظرت موضعًا للسوق أفلا تنظرون إليه؟ قال “بلى” فقام معه حتى موضع السوق فلما رآه أعجبه. وقال: “نعم سوقكم هذا، فلا ينقصن ولا يضربن عليكم خُراج”.
وكانت الأسواق عبارة عن أحياء تجارية مغلقة ومسقوفة يتم إنشاؤها على مقربة من المسجد الجامع. ولا تزال آثار هذه الأسواق باقية حتى الآن في كثير من المدن العربية مثل: مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وحلب والقاهرة وتونس والكويت.
وتعد مدينة القاهرة من المدن العربية والإسلامية التي تضم عددًا كبيرًا من الأسواق القديمة. ومن أشهر الأسواق التاريخية بها سوق “خان الخليلي” ويتميز بطابعه المعماري الذي يعود إلى أكثر من ثلاثمائة عام.
وإلى جانب الأسواق نشأت الوكالات التجارية والخانات التي كانت تشيد كمأوى للتجار والمسافرين والقوافل ومخزن للبضائع والتجارة بالجملة والتجزئة.
كما أن الوكالات كانت مكانًا لعقد الصفقات التجارية وبذلك تكون بمثابة مؤسسات تجارية كبيرة خاصة بالسلع التجارية. وغالبًا يملكها تاجر واحد أو أسرة وكانت تُعرف باسم صاحبها أو بالشيء الذي يباع فيها.

كذلك كانت الأسواق التي نمت وازدهرت في الحواضر الإسلامية في حاجة إلى تنظيم ورقابة عليها من الولاة والسلاطين. حتى يتحقق للسوق استقرارها خاصة في شهر رمضان، وخلال المواسم بعيدًا عن الغش والتدليس وتطفيف الموازين والمكاييل.
وكان للحضارة الإسلامية السبق في ذلك؛ حيث تأصلت مبادئ السوق وما يدور فيه من معاملات منذ العهد النبوي. وخضعت أسواق المسلمين كذلك للرقابة على السلع للتأكد من عدم وجود غش في الكميات والنوعية.
ونهى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عن فرض رسم لدخول السوق وحارب الاحتكار بشدة. لذلك تحددت الأسعار بقوى لعرض والطلب التنافسية الخالصة، ولم يجد مبررًا للتسعير حينما غلا السعر.
ورأى بعض الفقهاء فيما بعد جواز التسعير في السوق إذا ساده الاحتكار لتحقيق مقصد العدل في الشريعة. وتجسدت تشريعات تنظيم سوق المدينة بعد ذلك فيما يعرف بنظام “الحسبة“. وأصبح المحتسب مسؤولًا عن مراقبة السوق وحسم الخلافات فيها.
فقه الحسبة وتنظيم الفضاء التجاري
وتبارى الفقهاء في تأصيل قواعد الحسبة على الأسواق في الشريعة الإسلامية. وعلى أحكام السوق في الحواضر الإسلامية ومنها:
- كتاب “أحكام السوق” للفقيه الأندلسي يحيى ين عمر الكتاني.
- كتاب “نهاية الرتبة في طلب الحسبة” لابن بسام المحتسب.
- كتاب “الرتبة في الحسبة” لابن الرفعة.
- “رسالة في القضاء والحسبة” لابن عبدون.
- “رسالة في آداب الحسبة والمحتسب” لابن عبد الرؤوف.
- “رسالة في الحسبة” للجرسفي.
- كتاب “في آداب الحسبة” للسقطي.
وفصّلت كتب الحسبة ما يجب أن تكون عليه الأسواق في المدن الإسلامية. ومن ذلك التوزيع المكاني للأسواق وفق اعتبارات تحكم توزيع الأسواق على مختلف مناطق المدينة الإسلامية ابتداء من مركزها وحتى أطرافها. ووفق تحكم نوعية المنشآت التجارية التي يمكن أن توجد بجوار بعضها.
ومن هذه الاعتبارات أيضًا حاجات السكان المتكررة والضرورية لبعض السلع التي تتطلب وجود أسواق معينة في جميع قطاعات المدينة. مع تركزها في قلب المدينة.

ولهذا نجد تركز حوانيت الخبازين وأصحاب الحلوى، وأسواق العطارين، ومحال الصاغة للذهب والفضة، ومحال العطور وأسواق الوراقين في المنطقة المركزية من المدينة وعلى امتداد شوارعها الرئيسة والفرعية المجاورة.
بينما اقتضت طبيعة بعض الحرف أن تكون أماكن وجودها خارج المدينة مثل المذابح. ما استدعى وجود حوانيت القصابين على أطراف المدينة؛ لسهولة نقل اللحم دون الحاجة إلى عبور المدينة نحو المركز.
تنظيم السوق
تم تصنيف السوق تصنيفًا يمكن المحتسب من مراقبته، ويُسهل على المشترين الوصول إلى حاجتهم، ويدفع في الوقت نفسه إلى التنافس.
وتم تصنيف البضائع تصنيفًا يعتمد على التخصص وانعكس أثر هذا التخصص على مسميات الأحياء. وسميت جميع أسواق المدن الإسلامية بأسماء منتجاتها دون استثناء كالحدادين، والنحاسين، والخبازين والقصابين والعطارين وغير ذلك.
وكان على المحتسب مراقبة الحالة العامة لفراغات السوق، وسلوك استخدامه بما يضمن حرية وسهولة الحركة وصحة وسلامة رواده والممتلكات، خاصة في ظل زحام السوق خلال رمضان. فمنع إخراج مصطبة الدكان عن سعة أركان سقفه ومنع وضع السلع في الطرق تجنبًا لتضييق الطريق.
كما منع دخول الناس على ظهور دوابهم أو توقيفها في الطرق الضيقة. ومن يجلس في الطريق لبيع السلعة إذا كان يقع على الناس ضرر.
وهكذا استمر لمنصب صاحب السوق مكانته طوال الحكم الإسلامي في الأندلس. لدرجة أن ملوك النصارى أبقوا على وظيفة صاحب السوق نظرًا لدوره المهم والكبير في تنظيم الأسواق ومراقبتها.
















