بعد التقاعد.. فرص العطاء متجددة

إن المحالين للمعاش يرون التقاعد مراسم وفاة، في حين يرى المتقاعد أن له دور في إنجاز هذه المرحلة وتقبلها. ويسهل ذلك إن وجد البديل في أعمال خاصة به. أما إن كانت قدراته لا تساعد على ذلك فليس أمامه إلا ربط الحزام ليكيف حياته بما يتناسب مع مرتب التقاعد. ويخلد للراحة مع توجيه اهتماماته وتكثيفها نحو أفراد أسرته وأحوال منزله.

ويبقى الخوف من حالة التوقف الذهني المفاجئ، وهو عرضة لحالات الاكتئاب والانطواء. وترتفع احتمالات إصابته بالجلطات الدماغية وغيرها من أمراض الشيخوخة. ولن نتناسى هنا دور الأسرة في احتواء هذا الرجل وإشعاره بأهميته الكبيرة التي لم تهتز وبالحاجة المستمرة لخبراته وعطائه.

التقاعد بين الخوف القديم وفرص العطاء المتجددة

التقاعد الذي كان أمرًا مخيفًا لدى الناس أصبح اليوم سمة حضارية، فكثير من الدول ترى في المتقاعدين نموذجًا للعطاء والبذل بعد سنوات من الركض. وأن المتقاعِد يجب أن ينظر إلى واقعه الجديد نظرة أمل وتفاؤل ويبحث عن عمل آخر لاستمرار الحيوية. دون الخصوع لشبح الركون والاستسلام وأن يظل المتقاعِد حبيس جدران المنزل.

كان الناس قبل عقود يقدمون العزاء للمتقاعِد أما الآن أصبح الأمر مختلفًا. فالأقارب والأصدقاء والزملاء يحتفون بالمتقاعِد. ويعتبرون أنه انعتق من وضع سابق إلى وضع جديد أكثر إشراقًا وأملًا.

وتوجد أنماط من أفراد المجتمع لم يتحسروا أو يندموا على حياتهم الماضية راضين بأحوالهم وظروفهم الحالية كل الرضى. وقانعين بما هم فيه تكتنفهم السعادة والبهجة الغامرة ويجدون في الإحالة إلى التقاعد كل الخير والسرور.

أفراد يرحبون بالعمر المتقدم على أنه يمثل الحرية والتخفف من الأعباء والمسؤوليات لينشد الراحة وعدم العمل. أفراد أقوياء قوة الدرع يستخدمون نشاطهم كطريقة للحماية والوقاية من السن المتقدم على أنهم يتطورون ويكبرون بأسلوب حياة راضية إلى حد بعيد بعد سن التقاعد.

أما الأنماط الأخرى فيلومون أنفسهم والآخرين على فشلهم أو إخفاقهم في حياتهم المهنية ويتحسرون على ما فات.

إن استجابة الشخص بالرفض أو القبول لسن الإحالة إلى التقاعد ما هي إلا محصلة مجموعة عوامل كثيرة من أهمها الصحة العامة والوضع الاقتصادي والحاجة إلى الإنجاز والتاريخ الشخصي واتجاه الشخص نحو الحياة.

التقاعد والتكيف النفسي والاجتماعي

الحقيقة أن التقاعد مرحلة يجب أن يعيشها الإنسان ويتكيف معها. مرحلة تتميز بأن الفرد يكون حرًا من الارتباطات أو الالتزامات التي تقيده وتؤثر فيه على المدى الطويل. وترى نظرية الاستمرارية الناجحة هي التي تتصف بالقدرة على المحافظة على الأدوار والنشاطات والعلاقات.

والنشاط الذي يقوم به المتقاعِد ليس بالضرورة أن يكون عملًا ولكن المهم أن يظل قادرًا على استثمار وقته وجهده. وهذا ما يؤدي بالتأكيد إلى سعادته.

فالهدف النهائي هو شغل وقت الفراغ واستثماره والإبقاء على العلاقات الاجتماعية. وهذا يمكن أن يحدث من خلال قضاء احتياجات الأسرة واشباع بعض المتطلبات الداخلية أو الخارجية والتي تشعر المتقاعِد بأنه ما زال مهما لأفرادها قادًرا على العطاء.

فمن يحب عمله مثلًا قد يصاب بالاكتئاب إذا واجه قرار التقاعد عن العمل. كما يصاب بالخوف والهلع لشعوره بأنه سوف يصبح غير نافع ومن يعمل حمايةً لذاته ينظر إلى التقاعد على أنه فترة عزلة .

أما من يعمل استغلالًا لذاته فإنه عادةً ما يختار وظيفة بنفسه ومن ثم يصبح قراره بيده عن التقاعد ويقرر هو هل سيستمر أو لا يستمر في العمل أي أن له حرية الاختيار.

إن الشخص الذي يجبر على ترك العمل يصاب عادة بالاضطراب النفسي والاكتئاب ويحتاج إلى إعادة توجيه وإرشاد. والمتقاعد إذا توافرت له كل السبل والوسائل التي لا تفصله عن حياته وبيئته التي كانت تربطه بوظيفته. فعطاؤه يستمد بخبرته المكتسبة ويبدع أكثر ويفيد منها المجتمع. وتنعكس كل تلك العطاءات في الإنتاج الوطني وفي الخدمات العامة التي يقدمها للمجتمع.

نهاية فصل وبداية فرصة جديدة

يتسلل اليأس إلى بعض المتقاعدين قد تنبع من الخوف من المستقبل أو القلق على الأسرة من الضيق والحاجة. رغم أن الإيمان يؤكد أن الرزق بيد الله وحده وأن الطمأنينة لا تستمد من الوظيفة بقدر ما تستمد من الثقة بالله تعالى.

وقد يكون هذا الشعور ناتجًا كذلك عن الإحساس بالوحدة بعد الانفصال عن العالم المهني. وما كان يرافقه من علاقات اجتماعية ومسؤوليات متواصلة.

غير أن هذه المرجلة يمكن النظر إليها من زاوية مغايرة، كفرصة ثمينة لاستعادة القرب من الأسرة بعد سنوات من الانشغال. وفرصة لإعادة ترتيب مشاغل الحياة بعيدًا عن ضغوط الوظيفة ومتطلباتها والتمهيد لحياة أكثر اتزانًا وهدوءًا.

تفرض الحياة على بني آدم سنين طويلة من التجربة والتعب والعمل وتعلمه الكثير عن الرزق والسعادة. وبناء الأسرة وتحمل المسؤولية على أكمل وجه. وإذا ما نظر إلى مسيرته بإنصاف لوجد أنه أنجز أكثر مما سعى إليه. وحين يفرض التقاعد كمرحلة حتمية يصبح التسليم بقضاء الله والتقرب إليه بالأعمال الصالحة سبيلًا لتحويل هذه المرحلة من محنة حياتية إلى منحة إلاهية.

فكم من رحلوا قبل أن يشهدوا هذه المرحلة، وكم من أرواح لم تمهل لتراجع أو تصحح. أما التقاعد فهو فسحة زمنية لمراجعة الذات، واستدراك ما فات ويصبح التكريم الذي يرافقه مفترق طرق إما أن ينظر إليه كإيذان بنهاية أو كبداية حياة جديدة أكثر وعيًا وامتلاءً بالمعنى.

الرابط المختصر :