يشكل برقع الجنيهات واحدًا من أبرز رموز الأزياء النسائية التقليدية في مكة المكرمة، كقطعة تراثية حملت أبعادًا اجتماعية وثقافية واقتصادية عكست مكانة المرأة المكية وذوقها الفني.
وعلى الرغم من تراجع استخدامه في الحياة اليومية مع تطور أنماط اللباس، فإنه لا يزال حاضرًا في الذاكرة الشعبية والفعاليات التراثية بوصفه شاهدًا على جانب مهم من تاريخ المجتمع الحجازي.
البرقع في السعودية.. تنوع يعكس اختلاف البيئات
عرفت مناطق المملكة العربية السعودية أشكالًا متعددة من البرقع النسائي، واختلف تصميمه وخاماته تبعًا للبيئة والعادات الاجتماعية في كل منطقة. ففي منطقة نجد، غلب اللون الأسود على البراقع، وصنعت غالبًا من القطن أو الأقمشة السميكة التي توفر ستر الوجه مع فتحتين للعينين.
أما في الحجاز والجنوب، فقد ظهرت نماذج أكثر تنوعًا من حيث الخامات والزخارف، حيث استخدمت أقمشة فاخرة وبطنت من الداخل لتوفير الراحة. كما زين بعضها بالخيوط المطرزة أو القطع المعدنية والعملات الذهبية والفضية.

ويرى باحثون في التراث الشعبي أن اختلاف شكل البرقع بين مناطق المملكة لم يكن مجرد اختلاف في الذوق. إنما كان انعكاسًا للبيئة المحلية والظروف الاقتصادية والتقاليد الاجتماعية، وهو ما جعل لكل منطقة هويتها الخاصة في الأزياء النسائية.
الأزياء التقليدية مرآة للهوية المحلية
تشير الباحثة والأكاديمية الدكتورة ثريا نصر في كتابها “تاريخ أزياء الشعوب” إلى أن الأزياء التقليدية في المملكة لم تكن موحدة. بل تأثرت بالعوامل الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة، فانعكس ذلك على نوعية الأقمشة والزخارف وأسلوب التفصيل.
وقد اشتهرت المنطقة الشرقية بصناعة العباءات، بينما عرفت المنطقة الجنوبية بإتقان الحرف اليدوية وصناعة المنسوجات. في حين تميزت المنطقة الغربية، وخاصة مكة المكرمة والطائف، بالاهتمام بالحلي الذهبية والفضية وصناعة المشغولات التقليدية التي رافقت الأزياء النسائية.
ولم يقتصر هذا التنوع على الملابس فحسب، بل شمل أيضًا الإكسسوارات وأغطية الرأس والحلي. لتصبح بعض القطع التراثية مرتبطة بمدن بعينها، ومن أبرزها برقع الجنيهات الذي ارتبط بالمرأة المكية لسنوات طويلة.
ملامح الزي النسائي في مكة المكرمة
تميز الزي النسائي التقليدي في مكة المكرمة بتعدد مكوناته، حيث كانت المرأة ترتدي السروال والصديرية والكرتة (الفستان)، إضافة إلى المحرمة والمدورة لتغطية الرأس، بينما يستكمل الزي خارج المنزل بالملاية والبرقع.
واشتهرت النساء المكيات بالاهتمام بالتطريز اليدوي والزخارف الدقيقة التي أضفت على الملابس طابعًا فنيًا خاصًا، كما برز استخدام الخيوط الذهبية والفضية في بعض القطع، وهو ما يعكس التأثر بالحركة التجارية التي عُرفت بها مكة عبر القرون، باعتبارها محطة للحجاج والتجار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
كيف ظهر برقع الجنيهات؟
مع تطور عناصر الزينة في الأزياء النسائية، ظهر برقع الجنيهات بوصفه نسخة أكثر فخامة من البرقع التقليدي. وصُنع من أقمشة فاخرة باللونين الأسود أو الأحمر، مع فتحات مخصصة للعينين، بينما زُينت واجهته بصفوف متناسقة من الجنيهات الذهبية أو الفضية المثبتة بعناية.
ولم يكن اختيار العملات المعدنية أمرًا جماليًا فقط، بل ارتبط أيضًا بعادات اجتماعية واقتصادية؛ إذ كانت المرأة تضيف الجنيهات تدريجيًا إلى البرقع في المناسبات السعيدة مثل الزواج أو الولادة أو الأعياد، ليصبح مع مرور الوقت قطعة تحمل قيمة مالية إلى جانب قيمتها التراثية.
العملات الذهبية.. زينة وادخار في آن واحد
يمثل برقع الجنيهات نموذجًا فريدًا يجمع بين الزينة والادخار، إذ كانت العملات المثبتة عليه تعد جزءًا من ممتلكات المرأة ومدخراتها الشخصية، ويمكن الاستفادة منها عند الحاجة.
كما كانت كثافة الجنيهات وجودتها تعكس في كثير من الأحيان المكانة الاجتماعية للأسرة، لذلك اكتسب البرقع بعدًا رمزيًا تجاوز كونه قطعة من الملابس، ليصبح علامة على اليسر والمكانة الاجتماعية والذوق الرفيع.
وتشير بعض الدراسات المتخصصة في التراث الحجازي إلى أن استخدام العملات الذهبية في الزينة لم يقتصر على البرقع، بل امتد إلى الصديريات والأحزمة وبعض الحلي النسائية، وهو ما يعكس المكانة التي احتلتها المعادن النفيسة في الثقافة المحلية.
حرفة يدوية تتطلب دقة ومهارة
احتاجت صناعة برقع الجنيهات إلى خبرة كبيرة، إذ كان الحرفيون يختارون الأقمشة بعناية ثم يثبتون العملات بطريقة متوازنة تحافظ على شكل البرقع وراحته أثناء الاستخدام.
كما أولي اهتمام خاص بالخياطة والتطريز حتى تتحمل القطعة الاستخدام لسنوات طويلة. وهو ما يفسر احتفاظ العديد من الأسر المكية بهذه البراقع بوصفها مقتنيات تراثية تنتقل من جيل إلى آخر.
حضور متجدد في المهرجانات التراثية
ورغم أن برقع الجنيهات لم يعد جزءًا من اللباس اليومي، فإنه ما زال يحظى بحضور بارز في المهرجانات التراثية والمعارض الثقافية والفعاليات الوطنية التي تستعرض تاريخ الأزياء السعودية.
وتسهم هذه المشاركات في تعريف الأجيال الجديدة بجانب من التراث المكي. كما تعزز جهود المحافظة على الحرف التقليدية المرتبطة بصناعة الأزياء التراثية. في إطار الاهتمام المتزايد بصون الموروث الثقافي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ويظل برقع الجنيهات شاهدًا على مرحلة تاريخية جسدت أناقة المرأة المكية. وجمعت بين الجمال والقيمة الاقتصادية والهوية الثقافية. ليبقى واحدًا من أبرز الرموز التي توثق ثراء الأزياء التقليدية في المملكة العربية السعودية وتنوعها عبر المناطق.


















