المجتمعات البشرية بين الليونة والصلابة

حملت الأم الفقيرة طفلها الرضيع وانطلقت به نحو الغابة لجمع الحطب، وبعدما رجعت لكوخها الصغير محملة بكمية كبيرة من الحطب عادت إلى حيث تركت الطفل. لم تجده، ذهبت مسرعة في كل اتجاه تبحث عنه ولم تعثر له على أي أثر. مرت سنوات إلى أن وجد بعض مرتادي الغابة إنسانا يمشي على أربع ويتحرك ويتنقل شبه عاري بسهولة وسط مجموعة من الذئاب. تمكن هؤلاء من الإمساك به بصعوبة وأخذوه معهم، لم يكن هذا الإنسان الغريب سوى الطفل الرضيع الذي نسيته أمه. فأرضعته الذئاب، وعاش نفس الحياة التي تعيشها الحيوانات، ولم يكن يتكلم. بل كان يصدر أصواتا أقرب إلى عواء الذئاب ونظرات عينيه غير آدمية بقدر ما هي مخيفة ودائمًا حادة. ولا يكاد يستطيع الوقوف على رجليه، ولا يستسيغ طعام البشر.

طفل صغير بيتربى على ايد الذئاب والحيوانات .. ولما بيكبر بينتقم من الى قتـ . ـل ابوه - YouTube

الإنسان سهل التشكيل

هذه حكاية حقيقية جرت وقائعها في الهند منذ قرن من الزمان تقريبًا. وعلى الرغم من غرابة هذه الحكاية الحقيقية إلا أنها أفادت علماء الاجتماع أكبر فائدة. فضلًا عن أن مغزاها يؤكد أن الإنسان سهل التشكيل، يولد صفحة بيضاء قابلة لأي نوع من الكتابة عليها، فالطفل الذي أرضعته الذئاب عاش حياة الحيوانات في الغابة. ولو كانت أمه قد عادت به إلى الكوخ دون أن تنساه لكان عاش حياة إنسانية طبيعية عادية وفقا لخصائص المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي إطار لغته وحسب ديانته ونوع ثقافته .

الإنسان يتجاوب مع نسق الحياة 

هذه الحكاية الحقيقية الغريبة تؤكد أن الإنسان كائن اجتماعي، يتأثر ويتجاوب مع نسق الحياة التي عاش في إطارها. أما المجتمعات البشرية ذاتها على اختلافها وتنوعها فإن درجة تماسكها تتفاوت بين ليونة الطبع وشدة الشكيمة، بين المرونة والتشدد، فهناك مجتمعات تتمتع بقدر من التناسق والتجانس ما بين أفرادها ، وهناك مجتمعات ليست كذلك. والمثال الواضح هو المجتمع الصيني الذي يتكلم لغة واحدة ،ومعظم أفراده ملتزمون بعقيدة واحدة، ومثل هذا المجتمع تتحقق فيه إلى حد كبير صلابة الحديد. أما المجتمع الهندي فإن التناسق فيه يخضع لإرادة الجميع لكي تستمر الحياة ، ففي الهند مئات الديانات واللغات واللهجات ومنه ذووا البشرة السوداء والسمراء والبيضاء. وهذا ما جعل المجتمع الهندي أقرب إلى سيولة الماء التي لو تركناه دون ضوابط لتفرق في كل اتجاه إلى أن تتلاشى في باطن الأرض. أما إذا تم ضبط لإيقاعاته فإن الحياة فيه ستستقر وتستمر ويمكن أن تزدهر.

طبيعة رؤية المفكرين للمجتمعات

حاول الساسة والمفكرون على امتداد العصور أن يدرسوا طبيعة المجتمعات الإنسانية، وقد اختلفت رؤيتهم لهذه الطبيعة. لكن الأمر لا يخرج في النهاية عن حكاية الليونة والتصلب ، وفي هذا يرى الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو الإنسان الطبيعي لا هو بالخيّر ولا هو بالشرير. وان القوانين شرعت لتثبيت قوة الظلم على المظلوم، ويستطيع الناس تحقيق شيء من الحرية المدنية بدخولهم في تعاقد اجتماعي يجعل السيادة للمجتمع بأسره. وإذا ابتعدنا عن الفلاسفة فإننا نستطيع أن نفرق بين زعيمين من خلال حياة كل منهما. الأول بنى بلده بناءً عصريًا متماسكُا، ولكن برحيله انشطر المجتمع وتحول إلى شظايا أمم متنافرة. أما الثاني فقد أدرك مسبقًا أن استقرار بلده لا يمكن أن يتحقق إلا إذا آمن كل إنسان ينتمي إليه أنه إنسان أولًا وقبل كل شيء. فبقي المجتمع متماسكًا ومحافظا على وحدته برغم تنوع مكوناته.

إن الطائفية المقيتة هي سوسة النظام التي تحدث التقسيمات والتصنيفات العرقية والدينية والمذهبية. أما التعددية على سبيل التنوع المنيع يمكن أن يكون منبعًا للتماسك الاجتماعي وليس للاختلاف العدائي والتفرق والتشظي.

الرابط المختصر :