القهوة العربية في نظم الشعر ورمزية الفنجان

منذ أن دخلت القهوة جزيرة العرب ارتبطت عند الشعراء بنظم القصيدة وانتشارها، وإذا ما أحس الشاعر بجذوة الإبداع تتوهج في داخله فإنه إما أن يشد على راحلته ويمتطيها ليجوب الفيافي ويخترق القفار وحيدًا، أو أن يوقد النار ويعد لنفسه قدحًا من القهوة يمنحه صفاء الذهن ليساعده على نظم القصيدة، هكذا وجد فيها شعراء البادية وفرسانها موضوعًا شعريًا ورمزًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن الإبل والأطلال، فجاءت القهوة لتحل محل ابنة الكرم في الشعر الجاهلي كرمز للفتوة والفروسية.

القهوة العربية طقس الإبداع ومجلس الكرام

إعداد القهوة العربية مثل نظم الشعر، عمل يحتاج إلى التروي والمهارة والإتقان، تحميص البن وطحنه من المهام التي تحتاج إلى ذوق ودراية، فبينما الشاعر منشغل بعمل القهوة تراه في الوقت نفسه منشغل بنظم أبيات القصيدة، وحينما ينتهي من عمل القهوة يكون قد قطع شوطًا لا بأس به في النظم، فيكون قد حدد الوزن والقافية والمطلع والمواضيع التي سوف تتضمنها القصيدة، وبعدما تصفو القهوة يبدأ في سكبها وتذوقها، ثم يشرع في استعراض لأبيات قصيدته ينقحها ويعدلها.

إن عمل القهوة بداية من طريقة إعدادها وسكبها تسمى “نوماس” لأنها تعكس ذوق الشخص ولباقته واتزانه إنها مصدر فخر واعتزاز للشاعر تمامًا كما هو الحال بالنسبة لنظم الشعر، لذا فليس مستغربًا أن يتقن شعراء النبط في وصف القهوة ويخصصوا قصائد كاملة لهذا الغرض.

مجالس الشيوخ والأعيان حول القهوة هي المنتديات التي تروى فيها حكايات العرب ونوادرهم وتلقى فيها الأشعار خصوصًا مجالس كبار الشيوخ والأعيان، كلما ضم مجلس من المجالس شاعرًا أو راويًا معروفًا فإن الحضور سيتحلقون حوله يطلبون منه أن يتحفهم بما لديه في مثل هذه المناسبات يجلس صاحب البيت خلف الموقد ليبقي النار مشتعلة، ويحرص على إعداد القهوة لضيوفه.

وإلى يساره يجلس عادة أحد أبنائه أو معاونيه يمده بالحطب وأواني القهوة ومستلزمات إعدادها، ويساعده في تحميص البن وطحنه مع بعض من حبات الهيل وشيء قليل من الزباد والزعفران والقرنفل. عادة يجلس الضيوف مرتبين حسب مقاماتهم، فيجلس المهمين منهم في الصدر عند موقد النار بالقرب من صاحب البيت وهمين يبدأ بهم الساقي، أما الضيوف الأقل شأنًا فيجلسون في طرف المجلس.

من إسهامات شعراء النبط استخلاصهم ما في إعداد القهوة من شعائر وطقوس ودلالات رمزية وإدماج ذلك في مقدمة القصيدة كجزء من أهم أجزائها.

طقوس القهوة العربية ودلالاتها في القصيدة النبطية ومجالس الصحراء

إن الحيز الدي تحتله القهوة في القصيدة النبطية لا يقل عن الحيز الذي تحتله الناقة في موضوع الرحلة. فوصفوا طريقة إعدادها بداية من إضرام النار مرورًا بتحميص البن ثم دقه. حتى سكب القهوة وتذوقها ويسمونها “كيف” لما لها من تأثير على المزاج وشحذ الذهن.

ويسمونها أيضًا “مونّسة” لأنها تجلب الأنس والبهجة وتساعد على كسر الحواجز بين المضيف والضيوف. الذين يبتهجون لرؤية النار تضيء ظلمة الليل، ولسماع قرقعة الفناجين وإيقاع طحن البن في الأواني النحاسية التي تطرد وحشة الصحراء. ولشم رائحة دخان الغضا الزكية وشم رائحة البن المحترق.

ورائحة البهار وهو يسحق ورائحة الدلة النحاسية وهي تفوح. كل هذه الأحاسيس تبعث على النشوة والأنس والكيف والتبسط وانطلاق اللسان بالكلام والشعر الجميل. وكثير من الشعراء يفتخرون بنجره الذي يتجمع على صوته الضيوف من مسافات بعيدة، كلها علامات الكرم البارزة.

طقوس الضيافة

يشكل إعداد القوة وتقيمها جزء مهم من طقوس الضيافة في الصحراء ومراسيم الاحتفاء بالضيوف ومؤانستهم. إذا رأى الرجل ضيوفًا خف إليهم ليحييهم ويدعوهم إلى مجلسه. وحالما تبرك رحالهم يبدأ في إعداد القهوة كما أسلفنا ويقدم لها فناجين من البن طيب المذاق. يشبه في جمال لونه الأشقر الخضاب على معصم فتاة جميلة. فنجان القهوة “يعدل الرأس ويطرد النعاس” ومن مكملات الرجولة مهارة صنع القهوة وإتقان أصول تقديمها.

يتطلب تحميص البن تركيزًا وحذرًا حتى لا تحترق حبات البن، ودقات يد الهون ينبغي أن توكن موقعة وعالية ليسمعها الضيوف من مسافات بعيدة. وتقديم القهوة لا يقل خطرًا من إعدادها، يمسك الساقي الدالة بيده اليسرى ويرفعها إلى الأعلى ليسكب منها القهوة في فناجين صغيرة يمسكها لبيده اليمنى. وحذار من تقديم الفنجان أو تناوله باليد اليسرى، تنسكب القهوة من الدلة النحاسية في الفنجان على شكل خيط حريري رفيع يشبه في رقته ودقته خيط العنكبوت. وما ينسكب من القهوة ينبغي ألا يزيد عن قطرات قليلة لا تكاد تغطي قاع الفنجان. ومن العيب أن تقدم للرجل فنجان القهوة مملوء لأن في ذلك كما يقال إهانة له وتحقيرًا وكأن القول المراد هو أشرب، وانصرف.

القهوة في الشعر البدوي 

يتضح مدى تغلغل الطقوسية والرمز في عملية إعداد القهوة العربية وتقديمها المقصورة على الرجال فقط، ومنشبه المحرم على النساء الاقتراب من أدوات القهوة او حتى تناولها.

يحتل موضوع القهوة موقعًا متميزًا في بناء القصيدة النبطية، فقد خصصت بعض القصائد للقهوة كموضوع مستقل يستحوذ على أبياتها كلها. ويختلف إلى حد ما شعراء الحضر عن شعراء البادية في طريقة تناولهم للقهوة كموضوع شعري. فشعراء الحضر يتناولونه من زاوية فنية بحتة تقتصر على الكيفية خطوات إعدادها وينتهي الأمر بالنسبة للشاعر الحضري أن يشرب قهوته وحده وهو ينظم قصيدته. لم يتمكن شعراء الحضر أن يستخلصوا من القهوة معنى إنسانيًا ورمزًا اجتماعيًا.

أما الشاعر البدوي فإنه وجد في القهوة لغة شعرية جديدة استطاع توظيفها لترسيخ بعض القيم الأساسية في حياة الصحراء. يقدم الشاعر البدوي الفنجان الأول من الدلة إلى من يستحق المركز الأول من الشجعان والكرماء الذين يضمهم مجلس شيخ القبيلة.

لكنهم يصرفون الفنجان عن الجبان الذي لم يرافقهم في الغزوات، واللئيم، والنذل والذليل والبخيل، كلهم لا يستحقون الفنجان. وأكبر إهانة يمكن توجيهها للرجل هي أنه “معقّب الفنجان” أي أن هذا الرجل إذا وصله الساقي يتجاوزه. ولا يناوله القهوة لأنه ليس من الرجال الذين يستحقون الفنجان. “فما يستاهل الفنجان” في عرف البدو إلا الرجل الشجاع الذي يحمي ويغزو ويعود بالكسب من لقبائل الأخرى. الذي يرهب بصوته الأعداء، الذي ينقذ في حومة الوغي الرفيق، الذي يقطر رمحه دائمًا من دماء الأعداء.

وقبل هؤلاء جميعًا الرجل الكريم الذي تتكدس أكوام الرماد أمام بيته. والفنجان عندهم له شأن خطير فإذا كان في الصفوف الأعداء فارس يخشون بأسه صبوا فنجان في مجلس الشيخ أمام جموع القبيلة. وقالوا، هذا فنجان فلان، من يشربه؟ شرب الفنجان هو بمثابة تعهد والتزام بملاقاة الفارس المذكور في الميدان وقتل. لذا لا يقدم على قبول هذا التحدي إلا شجعان القبيلة وفرسانها المعدودون، وبعدما يعود الفرسان من المعركة توقد النيران. وتعد القهوة ويقدم الفنجان الأول للفارس الذي يستحق ذلك بفعله وبلائه في المعركة.

من الفخر القبلي إلى رمزية السيادة والبطولة

يا مسوّي الفنجان خزز مدوخ

                                             وعده لبن صلال والجلاوي

ومن هذه المعطيات علينا أن نفهم قول عمرو بن كلثوم:

صددت الكأس عنا أم عمرو

                              وكان الكأس مجراها اليمينا

وقول لآخر :

إن كنت ساقية المدامة أهلها

                                              فاسقي على كرم بني همّام

وأبا ربيعة كلها ومُحلـــــــما

                                              سبــــقا بغابة أمجد الأيـــام 

ولصب القهوة بروتوكولات عربية وفن أيضًا، ولا تكاد تخلو مناسبة إلا وتجد كثيرًا من الشباب يتسابقون إلى تقديم القهوة للضيوف. حيث يجدون الرجولة في تقديمها إلى الحاضرين داخل المجلس بكل يسر وسهولة. بل تجد الكثير منهم يتهيأ حتى في اللباس والشكل لكي يكون جاهزًا لتقديمها في كل وقت.

الرابط المختصر :