«نوستالجيا».. هل يؤثر «الحنين إلى الماضي» على الصحة النفسية؟

عند المرور بأماكن قضيت فيها أوقاتًا سعيدة في طفولتك، أو عند شم عطر يذكرك بلحظات مضت تشعر بالحنين لتلك اللحظات. وكأنك تعيشها من جديد. هذا الشعور، المعروف بـ«النوستالجيا»، ليس مجرد شعور عابر، بل له تأثير إيجابي على صحتنا النفسية.

الحنين عادة يرتبط بالذكريات المهمة، مثل الأعياد، أعياد الميلاد، واللحظات المميزة منذ الطفولة مع الأسرة والأصدقاء، والتي تمنحنا شعورًا بالدفء والفرح والرضا. عند استحضار هذه اللحظات، قد تجد نفسك تبتسم وتشعر بالراحة والطمأنينة، إذ يعزز هذا الاتصال بالماضي شعورك بالأمان ويقوي روابطك الاجتماعية، كما يخفف المشاعر السلبية.

الشعور بالأصالة

ووفقًا لـ”الجزيرة” أظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة Journal of Experimental Social Psychology أن رحلة قصيرة في ذكرياتنا يمكن أن تزيد شعورنا بالأصالة والألفة مع الذات. الدراسة، التي شملت أكثر من 2400 مشارك من دول مختلفة مثل الولايات المتحدة، الصين والمملكة المتحدة. وجدت أن الحنين يعزز الرفاه النفسي ويزيد شعور المرء بالاتساق مع ذاته الحقيقية.

الأصالة الناتجة عن النوستالجيا تؤثر إيجابيًا على العلاقات الاجتماعية، النشاط والحيوية، الكفاءة، التفاؤل، وإضفاء معنى للحياة، وكلها عناصر تحسن حالتنا النفسية.

تقوية الروابط الاجتماعية

وفقًا لدراسة في المكتبة الوطنية للطب (National Library of Medicine)، يعد الحنين إلى الماضي عاطفة تقوي الروابط الاجتماعية. استدعاء ذكرياتك مع العائلة والأصدقاء، أو مشاهدة مقاطع الفيديو والصور القديمة، يجعلك تشعر بالقرب من من شاركوك هذه اللحظات ويزيد ارتباطك بهم.

تحسين المزاج

ذلك وتشير دراسة نشرت في مجلة Consciousness and Cognition إلى أن النوستالجيا تساعد على تحسين المزاج وتعزيز المشاعر الإيجابية. إذا كنت تعاني من مشاعر سلبية، فإن استدعاء الذكريات السعيدة قد يساعدك على تهدئة نفسك وتحويل المشاعر السلبية إلى حيادية أو إيجابية.

ووفقًا لـ”ديانا وودهاوس” المعالجة النفسية الأمريكية ، يمكن استغلال تأثير النوستالجيا لمساعدة الأشخاص على تنظيم مشاعرهم بشكل أفضل. أظهرت الأبحاث أيضًا أن الحنين إلى الماضي ازداد خلال فترة انتشار فيروس كورونا، وساعد في تحسين المزاج وتقليل الشعور بالعزلة.

الحنين مقياس للتطور الذاتي

كما تقول وودهاوس إن النوستالجيا يمكن أن تكون مؤشرًا على مدى تطورنا الذاتي. فهي تسمح لنا بملاحظة التغيرات التي طرأت علينا بمرور الوقت، واستيعاب الدروس المستفادة من التجارب السابقة، ومعرفة كيف أصبحنا ما نحن عليه اليوم.

الحنين الاستباقي واليقظة

كذلك أحيانًا نشعر بالحنين أثناء تجربة لحظة سعيدة، قبل أن تصبح ذكرى فعلية. هذا ما يعرف بالحنين الاستباقي، الذي يتيح لنا التوقف والاستمتاع بتفاصيل اللحظة الحالية، وتقديرها، وحفظها لتصبح ذكرى ثمينة في المستقبل. بهذا الشكل، يرتبط الحنين بالحاضر والمستقبل معًا، ويزيد شعورنا بالوعي والتقدير للأوقات الإيجابية ومن يشاركوننا هذه اللحظات.

احذر أن تكون أسير الماضي

على الجانب الآخر، قد يؤدي التركيز المفرط على الماضي إلى شعور بالحزن لفقدان أوقات سعيدة أو أشخاص لم نعد معهم. وحذرت سوزان ديجيس وايت؛ أستاذة الإرشاد النفسي في جامعة إلينوي الشمالية، من الانغماس في الذكريات بشكل مفرط، إذ يمكن أن يجعلنا أسير الماضي ونفقد القدرة على مواجهة الحاضر وتحدياته.

من الأفضل فتح صندوق الذكريات واختيار ما يمنحك شعورًا بالدفء والحنين، مع تذكير نفسك أنك موجود هنا الآن. ولديك القدرة على صنع لحظات سعيدة جديدة تصبح جزءًا من ذكريات المستقبل.

 

الرابط المختصر :