العلاج الحراري الموضعي.. نموذج الفوطة النارية

لطالما تساءلنا عن سبل العلاج الذي اتبعها الإنسان لمواجهة مختلف الحالات الصحية التي واجهها قبل الطب الحديث. تندرج تحت وسائل العلاج الفيزيائي PT ما يعرف بـ “الفوطة النارية” ورغم غرابة تسميتها إلا أن تأثيرها على الجسم يقوم على آليات مدروسة بعناية.

استخدمت الفوطة النارية منذ الأزل، وكان لها ظهور واضح في عدة حضارات واعتبرت تقليدًا شعبيًا، خاصة في دول قارة آسيا والصين تحديدًا. كانت الفوطة تبلل بالكحول أو سائل قابل للاشتعال ثم تشعل فوق الجسد لفترة وجيزة قبل إخمادها. بهدف إحداث موجة حرارية قوية وسريعة تخترق الأنسجة. ورغم غياب الطب الدقيق والتفسير العلمي قديمًا لكن اعتمده الناس كحل لسحب الألم وطرد البرودة.

آلية التأثير

تعتمد الفوطة النارية على العلاج الحراري الموضعي أي استخدام الحرارة ذات مصدر خارجي لإحداث تغييرات داخل أنسجة الجسم. لترتفع بذلك حرارة الأنسجة السطحية وتتوغل عميقًا بشكل تدريجي، فتتوسع الأوعية الدموية في المنطقة المستهدفة. ما يزيد من تدفق الدم وتتحسن التغذية الخلوية وتسرع عمليات الشفاء. تعتمد كذلك على المدة التي تكون مثلى عادة بين 15-20 دقيقة، وكذا درجة حرارة معتدلة لا تسبب احمرارًا ولا تهيجًا أو ألمًا.

على المستوى الجزيئي

وإن دققنا في رؤية التروية الدموية التي تكون وليدة تأثير الحرارة على المستوى الخلوي الجزيئي سنرى أنها تؤدي إلى ارتفاع ورود نسب الأكسجين والعناصر الضرورية إلى الخلايا. في ذات الوقت، تسرع طرح الفضلات الأيضية.

وبالتالي فإن هذا التعاون المتوازن بين الإمداد والتخلص يفسر نسبيًا الشعور بالاسترخاء. وتخفيف الآلام والتشنجات وتقلصات الإجهادات العضلية الذي يرافق مراحل عملية استخدام الفوطة النارية.

على المستوى العصبي

وتجدر الإشارة كذلك أن الحرارة تأثر على الجهاز العصبي الطرفي وهي الشبكة التي تصل الجهاز العصبي المركزي أي الدماغ والحبل الشوكي بكل شبر في الجسم. فتقلل من حساسية المستقبلات الغشائية العصبية للألم. وتنشط آلية تعرف بـ“نظرية بوابة الألم” التي اقترحها العالمين ميلزاك و وال. لتنقص من إشارات الألم الواردة للدماغ نتيجة التحفيز الحراري.

على المستوى العضلي

أما على المستوى العضلي، فالفوطة النارية تخفض من توتر الألياف العضلية والانقباضات اللاإرادية. من خلال تحسين مرونتها، وتقليل مقاومة الأنسجة للتمدد. وهي فعالة بشكل ملحوظ في حالات الإجهاد والنشاط البدني وآلام أسفل الظهر، الرقبة والكتفين والعلاج التأهيلي.

على مستوى الجهاز الهضمي

بالنسبة إلى الجهاز الهضمي، تخفف الفوطة النارية من آلام البطن ويفسر ذلك بأن الحرارة الموضعية على منطقة البطن قد تساعد على ارتخاء العضلات الملساء للأمعاء. وتخفيف التقلصات المعوية التي ترتبط في أكثر الحالات شيوعًا بالتوتر والاضطرابات الوظيفية كالقولون العصبي.

علاج آلام الطمث

وعند الحديث عن التقلصات، يجب التطرق إلى آلام الطمث عند النساء، وينطبق عليها نفس التفسير ونفس المراحل. فتدفق الدم في منطقة الحوض خاصةً تقلل التقلصات الناتجة عن تحفيز البروستاغلاندين لإخراج بطانة الرحم. وأظهرت بعضًا من الدراسات أن الحرارة الموضعية قد تكون فعالة بقدر بعض المسكنات الخفيفة.

المحاذير والممنوعات

رغم الفوائد العجيبة التي تحملها الفوطة النارية إلا أن هناك بعضًا من المحاذير وجب الانتباه إليها قبل تطبيقها. حيث إنها تمنع منعًا باتًا عند وجود نزيف، تورم أو التهابات حادة، فتوسع قطر الأوعية الدموية يزيد من الطين بلة، ويجعل الحالة أكثر سوءًا وصعب التحكم فيه. والأمر سيان بالنسبة لبعض حالات الاعتلال العصبي، وفقدان الإحساس الجلدي؛ لتفادي خطر الحروق غير المحسوسة.

من منظور الطب الحديث، تم اعتبار الفوطة النارية كوسيلة مكملة وليست بديل شامل للعلاج الطبي، فهي تخفف الأعراض، وتحسن جودة الحياة واستعادة التوازن الوظيفي لكن لوقت مؤقت، فهي لا تعالج السبب الجذري للمرض ما يعني بالضرورة أن الانتكاسة لا مفر منها.

الرابط المختصر :