“العباءة الدرع”.. قصة جميلة عن الصلابة الإنسانية التي تحملها المرأة السعودية وربما كل امرأة ترتدي ما يرمز صراحة إلى هويتها الثقافية والاجتماعية في العالم كله، وهذا المصطلح استنتجته شخصيًا أثناء بحثي عام ٢٠١٨، وذلك استنادًا إلى ما وضحه العالم “موريس فاندربول”، مشيرًا إلى وجود ما يسمى بـ”المرونة النفسية” RESILINCE؛ حيث اكتشف في عدد من الناجين الأصحاء من معسكرات الاعتقال مهارة التعافي والتجاوز للصعوبات بشكل أسرع، وهذه المهارة كانت “كدرع بلاستيكية” تضمن عدم ضررهم الداخلي، رغم الجروح الخارجية، وبذلك كان يرى أن المرونة النفسية لدى المتعافين من الحرب كانت درعًا بلاستيكية لحمايتهم.
وهنا استنبطت مفهوم “العباءة الدرع” كاستعارة نفسية باستبدال البلاستيك بالعباءة، للتعبير عن المرونة النفسية لدى المرأة السعودية بشكل خاص والمسلمة بشكل عام؛ حيث إنه كرمز افتراضي للصلابة لديها وتعافيها بعد أي جروح أو صدمات أو معيقات تواجهها، فهي ترتديها بعزة الهوية لديها وما تحمله من مؤثرات لتنطلق مُواجهةً أي نوع من التحديات، فخلال بحثي عام ٢٠١٨ في الديناميكية للمرونة النفسية للمرأة السعودية ضمن رحلتها في النجاح، وذلك أثناء دراستي ماجستير التغير بـ”الكوتشنج” والاستشارات في مدرسة “انسياد” العالمية للأعمال في مدينة فونتنبلو الفرنسية، تناولت تلك الجوانب الخفية لمجموعة سيدات سعوديات في رحلتهم الناجحة، وألهمتني حواراتنا أثناء المقابلات الاجتماعية التحليلية وكل واحدة تستعرض مراحل النجاح والمرونة من خلال الرسم واستخدام أسلوب التحليل النفسي الاجتماعي لها، وظهر لي كيف كان التركيز على قوة المرأة وهي ترتدي العباءة كرمز نسائي سعودي في كسر جميع أنواع وطبقات السقف الزجاجي المتواصل النجاح، وذلك من وجهة نظر عدسة الثقافة الإسلامية والعربية، وبتطوير عدة فرضيات ومواضيع متعددة قدمتها باستخدام المنهجيات والديناميكيات النفسية.
ويُعرف تاريخ العباءة منذ عقود؛ حيث إنها منذ فترة طويلة عُرفت مجتمعيًا بأنها درع لحماية النساء من الرجال غير الأقرباء لهن من الدرجة الأولى، حماية نفسية وجسدية، وذلك من التعرض للأذى أو الإزعاج من أي كان؛ حيث تمنح هذه العباءة هوية الاحترام والوقار وتطلق حاجزًا واضحًا وغير معلن للجنس الآخر لا يمكن عبوره، ويمثل هذا الحاجز مفاهيم وممارسات أخلاقية مجتمعية ودينية.
ومع مرور الزمن، بدأ المجتمع المدني في عدة مناطق داخل المملكة العربية السعودية تكوين مفاهيم مختلفة حول العباءة؛ ومنها ازدهار هذا المنتج كسوق تجاري، وتوفيره في سوق تصاميم الأزياء؛ حيث يتم العمل باحترافية في إنتاجه وله درجات جودة وتصميمات مختلفة الوظائف، إما للسفر أو للمناسبات أو للعمل.
وحيث كان الأسود لونًا تقليديًا للعباءة فمعظم المجتمع السعودي يعتقد به دينيًا ومجتمعيًا، وتتجلى أهمية هذا اللون للعباءة داخل الوطن، وإن كان يميل البعض لتغييره عند السفر مع التزامهم الديني، ورغم ذلك بدأت الأجيال الحديثة الانفتاح وتقبل الألوان التي قد تكون وصلتهم من ثقافات إسلامية أخرى، فبدأت في تغيير ذلك الارتباط اللوني والميل للتنويع.
ومنذ بداية الرؤية السعودية في عام 2016، ازداد عدد النساء السعوديات اللواتي يطمحن إلى النجاح، ونجد أنهن بشكل واعٍ أو لا واعي يفتقرن إلى قيمة تطوير مهاراتهن النفسية الخاصة، وهنا أركز على مهارة المرونة النفسية التي تيسر لهن الاستدامة بالنجاح، ووجدت أن ذلك يتطلب وجود تدخل تدريبي لتطوير وتنمية المرونة النفسية لديهن خاصة، والمجتمع السعودي عامة، للتكيف والاستدامة بالنجاح مع وجود تحديات التغير؛ وحيث إن هذه الرؤية المباركة يتزامن معها فتح مجالات عمل جديدة لهن وفي بيئات مختلفة عما اعتدن عليه، لذا لزم أن يتم نشر برامج تعزيز السلامة النفسية التي تدعم الأمان بين أفراد فرق العمل والمجموعات، وذلك في المفهوم المحلي للبيئات المهنية لكل من الإناث والذكور في كل البيئات، سواء البيئة المختلطة أو المفصولة لأحدهم؛ لتحقيق مرونة نفسية أعلى ونجاح أكبر في جوانب الرؤية السعودية 2030.
وحيث إن العباءات تقدم نفس المفهوم مثل الدرع البلاستيكية، مع كونها درعًا سعودية للمرأة، فهي تمثل حماية وإعادة بناء الهوية السعودية، جسديًا وعقليًا، متواجدة مع المرأة دومًا وخلال أي مواجهة للمخاطر المحتملة وعندما تمر برحلة التعافي بعد أي ضرر ومحنة، لذلك يمكن اعتبار أنه في كل مرة تضع عباءتها لبدء حركة جديدة لذاتها ولأسرتها؛ فإن المرأة السعودية تنشط قدرتها على الصمود والاستدامة بنجاح.
تتوالى مراحل بناء المرونة النفسية لها مع نمو حجم العباءة التي تلبسها استعارة عن نموها الجسدي من فتاة صغيرة لسيدة ناضجة وقيادية، لذا فتجربتها الحياتية ونقاط التحول في تاريخها الذاتي دومًا مصحوبة بالعباءة، والذي يرتبط بالثقافة المحلية السعودية منذ الطفولة المبكرة وبارتباطها بالمفاهيم الدينية والاجتماعية، المليئة بالقيم والفضائل والقدرة على التكيف بزيادة القوة والتعايش، وهذه القوة مطلوبة لأن الوعي النسائي السعودي الحالي في ازدياد ونمو، ما يجعل هذه العباءة مصدرًا ملهمًا ومهمًا في توفير المرونة النفسية للنجاح.
وبالعودة لتاريخ العباءة، نجد أن ارتداء العباءة للمرأة كان موحدًا للجميع، ومع ذلك فهناك تنوع بالمجموعات والمناطق في المجتمع داخل المملكة العربية السعودية، وانتماؤها هذا قد يؤثر فيما تحمله عن معتقدات النجاح لدى المرأة؛ حيث إن انتماءها إلى أي مجموعة منهم يعكس أبجديات ومعتقدات الحدود غير المعلنة للتعامل معهن ولأبجديات النجاح لهن، وكما يدرك من يعيش فترة من الزمن مع الأسر السعودية يجد التنوع بين أفراد المجتمع السعودي، وهو معروف بعدة أشكال حسب المناطق والعادات.
وفي عام 1986، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرًا صاغت فيه عبارة لوصف بعض التحديات التي تواجههم في بيئة العمل تحت مفهوم “السقف الزجاجي”، كأنه الحد الأعلى النهائي للغرفة الذي لا يمكن تجاوزه، حيث تمثل بعض القيود المفروضة في بيئة العمل الحاجز كالسقف لمن يتطلع للأعلى للحد من تحقيق إنجازات للارتقاء رغم إمكانية رؤيتها أمامهم، ويسمى السقف هنا بـ”السقف الزجاجي” وقد نجده بين الجنسين أو الأعراق أو حتى المناطق والمجموعات والعائلات؛ إذ وصفه “تومسون” في العام 2014 بأنه حاجز شفاف اصطناعي يمكن تحطيمه بقوة كافية، وعند التعمق في العوامل المساهمة في تشكيل السقف الزجاجي على النساء السعوديات، نجد أن الدين الإسلامي ينص على أنه يجب توفير السلامة البدنية والجسدية للمرأة من قِبل ولي الأمر في الأسرة، بينما دخلها الإضافي ملكها الخاص ولها حريتها في التصرف والاستثمار أو الادخار فيه.
وممارسة هذا الفكر في العوائل، هو ما قد أعرّفه على أنه نظام القوامة الأخلاقية، لذا نجد أن المرأة ذات الترابط الأسري القوي، والمؤمن بفلسفتها الخاصة بالنجاح لا تجد أن الارتقاء مستحيل وقد تعبر طبقات السقف بهدوء ضمن دعمهم وموافقتهم، أما في حالات العكس من ذلك فبعض النساء اللواتي يعانين من عدم التوافق في الفلسفة العائلية في نوعية أو ساعات العمل فإنهن يواجهن الصعوبات خلال رحلتهن الناجحة، ومن الصعب تحطيم السقف لديهن وقد يكون أسمنتيًا مع هذه المسألة، لذا نجد في بعض مناطق المملكة بعض العائلات والمجتمعات لا تؤمن بأهمية تمكين المرأة مهنيًا، وخصوصًا في المراكز العليا أو التجارات العائلية أو المختلطة، كما هو الحال في القرى والمجتمعات الصغيرة، ولذلك نجد بعض النساء يعانين من العنف النفسي سواء من الرجال أو النساء في عائلتهن، وذلك كسلوك متعارف لديهم ومقبول في الحياة اليومية، باستخدام مفهوم “القوامة”، والتي أُرجعها في هذه الحالات الى تبنيهم ما أسميه بالنظام غير الأخلاقي بالقوامة.
ولذا تختلف مجتمعات المملكة العربية السعودية في كيفية معاملة السيدات أثناء التواجد في بيئات العمل وفهم الحدود، بل في اعتمادهم لحقوق المرأة والاحترام المفترض تجاهها، وهذا ليس اعتماد المجتمع عامة، لأنه بسبب اختلاف الرؤية الدينية والمجتمعية من منطقة إلى أخرى، وحتى من الأسرة إلى الأسرة الأخرى في نفس العائلة أو القبيلة، فقد تحدث معضلات في مجال القيم والحدود المهنية.
لذا تميل بعض النساء السعوديات الناجحات إلى الغموض بالعمل، وغالبًا ما يتم إدارة مهام العمل في أداء خفي غير معلن للمجتمع الخارجي، وقد يصح أن نسمي ذلك بـ”الملف المنخفض للأداء” لمنع لفت النظر؛ حيث تم إنشاء مصطلح منخفض في الولايات المتحدة في عام 1970، وهذا الأداء يساعدهم على الابتعاد عن مظاهر المقاومة لنجاحهن، سواء آراء الناس أو ربما الأشخاص المحيطين بهم الذين لديهم الحق في منعهن من الاستمرار بمفهوم الوصاية، سواء من نساء أو رجال بالعائلة، ويتفاجأ المجتمع لاحقًا بنجاحاتهن ومساهمتهن القوية في مجال معين بعد ذلك، مع اعتراف وتقدير المحيط المجتمعي لأغلبهن، بينما يواجه البعض المقاومة والرفض لاعتبارات أسرية أو مجتمعية.
أمل الجمل
مدرّبة واختصاصية في تحليل الديناميكية وثقافة التغيير وبناء المنظمات.
ماجستير من معهد إنسيد الفرنسي للدراسات العليا.






















