يعتبر الإنسان كائنًا رامزًا بطبعه، ابتدع الرموز وتشكّل على صورها، واستطاع عبرها أن يشيد مملكته الرمزية ضمن تقاطعات الزمان والمكان. وضمن تداخلات بين ما هو شعري وفني بما هو ديني وأسطوري ليخرج عن ما هو مباشر وخانق. وقد شيّد الإنسان تاريخه بالرموز وصقله بالإشارات وأغناه بالمعاني.
تطور دلالة الرمز
لقد قدّر للإنسان في العصر الحجري أن يبدع فن الرسم على الصخور وجدران الكهوف. وفي مرحلة لاحقة ترك الإنسان كهوفه وبدأ بتأسيس معابده وقصوره الأثرية من الصخور الضخمة بدقة متناهية.
وكان هدفه إيجاد لحمنة وتفاعل اجتماعي دائم ومستمر بين أعضاء المجموعات البدائية القديمة. ومن ثمة لجأ إلى ابتكار نوع من الرمزية الدينية عبر الطقوس والاحتفالات السحرية. لتأكيد حضور الجانب الروحي في حياته، فشكلت المعابد التاريخية القديمة رموزًا زمانية.
كما استخدم الرمز في الحركات الباطنية لتشكيل التمائم والتعويذات والطلاسم لتأخذ صيغًا مختلفة مثل الشعارات التي تستخدمها المؤسسات أو العلامات التجارية على الثياب والرسوم الدينية المقدسة.
وتكتسب هذه الرموز قيمتها من قدرتها على أن تكون في متناول الجميع، كذلك تصمم المؤسسات الاجتماعية والحركات السياسية والدينية رموزها من أجل وحدة مكوناتها وتستلهم القوة الرمزية من ذاتها ما أمكن لتعزيز قدراتها الدعائية والإيديولوجية.
الرمز ومعضلة التأويل
الرمز يعني الرسم الذي يعبر عن شيء، لذا ينبغي أن ينقل رسالته بنظرة واحدة دون الحاجة لأي كلمات. من المعروف أن قدماء الإغريق والرومان استخدموا أعدادا كثيرة من العلامات ذات الدلالات والمعاني. والحديث عن الرمز يدفعنا إلى الإشارة إلى “علم الرموز” وهو علم يتناول دراسة بعض العلامات المستخدمة ضمن ثقافة أو دين معين والرجوع إلى مصدرها الرئيسي. بالإضافة إلى تأثيرها على الطقوس الدينية وطريقة تعامل الناس مع هذا الرمز سواء دينيا أو ثقافيا.
يقول الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي ميشيل فوكو (6192ـ 1984) في كتابه ” المعرفة والسلطة “ :
“إن المسافة كبيرة بين ما تُظهره الرموز وما تحجبه وما تومئ إليه وما تستره ، إلا أن ذلك التباعد ، وتبلك المسافة وما تتطلّبه من تعنت وجهد وشك وتساؤل هي التي ترفع القراءة إلى مرتبة تجعلها فنا من الفنون”.
ويعتبر الرمز بالنسبة إلى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913ـ 2005) بنية لتعددية المعنى. وهو الذي يدفعنا دوما إلى التفكير بحيث لا يمكن الإمساك به أو الوصول إليه إلاّ من جهة تأويله. فالرموز الحقيقية هي الرموز العظيمة الممتلئة بطاقات تأويلية تتجه نحو انبجاس متجدد للمعاني (صراع التأويلات)
تنتج عن هذا القول ملاحظتان :
- أن كل رمز حقيقي يتعلق بأشكال مختلفة من التأويل.
- أن التأويل يقصد ما يُقال وكذلك ما لا يقال أي المسكوت عنه، وحتى غير المفكر فيه.
الرمز بين التأويل والمعنى
بمعنى أنه لا يمكن تجاوز تعددية المعنى الواردة في نفس الظروف وذات الوقت فتدور كل التأويلات حول إشكالية موحدة يثيرها الرمز نفسه وهو ما يؤدي حتما إلى تنافس صراع التأويلات.
هذا إن لم يؤد هذا الرمز إلى عنف حقيقي معنى ذلك أن الصراع حول معاني الرمز قد يتحول إلى حرب تأويلية خاصة فيما يتعلق بالرموز العقائدية أو الدينية وكل ما يمت بصلة إلى النصوص المقدسة. لذا فالرموز الثرية هي التي تضمن الوحدة بين مختلف التأويلات المتعددة ، فالرمز الأقل ثراء يعطينا قدرة أقل في التأويل.
تنتمي الرموز إلى مجال المعني لا إلى مجال الأشياء، وإلى مجال الفهم والتأويل لا إلى مجال الفعل والعمل. لكن ارتباطها بالإنسان الذي يحضر في عالم الأشياء والأفعال هو الذي يجعل من تواجده أمرًا باعثًا على القلق والحيرة بعد أن كان دافعا إلى التفكير والتأويل. فاقتران الرمز بالإنسان وخاصة بالجانب العقائدي المعقد يجعل من مفهوم الرمز دافعا إلى عنف تأثيره .
وكثير ما يمتد المجال إلى الترميز لمعاني إنسانية سامية ونبيلة مثل اتخاذ الحمامة البيضاء رمزًا للسلام. وسنبلة القمح أيضا للسلام والرخاء، ويتسع المجال أكثر للتعبير عن العواطف بين الأحبة كباقات الورود والوردة الحمراء القانية رمز الحب وأيضًا مختلف الهدايا الأخرى وخاصة العطور. كما يعتبر موضع الخواتم الذهبية بين أصابع اليد رمزا للحالة الاجتماعية حيث تبين إن كان الشاب أو الفتاة في حالة خطوبة أو زواج.
قوة الرمز
يمتلك الرمز في ذاته عنفه الخاص ويتمثل عنفه في قوته وقدرته على التأثير. ونظرًا لما يمتلكه في ذاته من طاقة وقدرة وقوة فقد استعمله الإنسان منذ القديم في محاولة التواصل مع القوى الكونية العليا.
فجسد القوى الميتا فيزيقية في رموز وجسدها في علامات حسية ورسمها في حكايات وأساطير, ثم وظفها للسيطرة على حركة هذه القوى نفسها حتى يتجنب خطرها. واعتمد من أجل ذلك على التمائم والتعويذات والطقوس الاحتفالية والحركات والإشارات ورسم أبعادها فبدت طلاسم لا يعلم كنهها العامة من الناس.
والحقيقة أن قوة الرمز تنطلق من نظرية إنتاج المعتقدات والمبادئ، وإنتاج الخطاب الثقافي والأفكار. وإنتاج القيم المساعدة على السيطرة الثقافية والإيديولوجية. لذلك يكتسب الرمز القدرة على تغيير الأوضاع الاجتماعية عبر التأثير في المعتقدات وتغيير مقاصدها وبناء تصوراتها.
وعلى ذلك ظهرت الرموز والعلامات المرورية المنظمة لحركة سير المركبات على الطرق ضبط مرور المشاة في الشوارع والرموز الخاصة بالمهن كعيادات الأطباء والصيدليات. وعلامات التحذير من خطر حركة دخول وخروج الشاحنات الضخمة والعتاد الثقيل من ورشات العمل والبناء. والرموز المحذرة من هشاشة البيئة المرتبطة بالتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية ومن مخاطر اندلاع الحرائق وانهيار التربة.
وكذلك العلامات الدالة على بعض المرافق الحيوية كالمطارات والموانئ ومحطات التزود بالوقود. ومراكز الشرطة والمستشفيات ومراكز الإسعاف والمناطق العسكرية.



















