الذات ومواجهة الآخر في التراث الشعبي الأمريكي

منذ أن عاد الرحّالة الإيطالي كريستوفر كولومبوس (1451–1506) من رحلته البعيدة عبر المحيط الأطلسي نحو الكاريبي، حاملًا بشائر اكتشافه أراضي العالم الجديد بما تضمّه من الأمريكيتين وجزر الكاريبي والأنتيل الصغرى والساحل الشرقي لأمريكا الوسطى، شهد العالم تغيرًا كبيرًا.

 

فقد توالت الرحلات البحرية للمهوسين بحلم الثراء والراغبين في تملك أراضي العالم الجديد، وانطلقت قوافل المغامرين من أوروبا وآسيا، معظمهم من الشباب المفعمين بالحيوية، القادرين على العمل والتكيف في براري أمريكا القاسية، والمستعدين لمواجهة مقاومة السكان الأصليين من قبائل الهنود الحمر.

 

ولأن أمريكا أمة صاغت الظروف ملامح نزعتها الاستكشافية، فقد ابتكرت بطلها الخاص القادر على خوض صراعات البراري الغامضة، بوصفه امتدادًا لأبطال الأساطير الأوروبية القديمة، ممن جسّدوا قيَمًا ثقافية ومعايير مثّلت روح البطولة منذ عهد الإغريق.

 

كما برزت في الثقافة الرومانية أساطير مثل أسطورة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة الذين جسّدوا فكرة المساواة في ثقافة العصور الوسطى، إضافةً إلى فرسان المعبد – أو فرسان الهيكل – الذين عُرفوا بـ”الجنود الفقراء للمسيح”، وهم سبعة جنود تعاهدوا على حماية الحجاج المتجهين إلى بيت المقدس، وكذلك فرسان القديس يوحنا وغيرهم.

ومن هذه الخلفية الأسطورية والبطولية، امتدت الظاهرة إلى العالم الجديد مع قدوم المهاجرين الأوروبيين البيض الذين غادروا أوروبا بدافع المغامرة، وبحثًا عن الرزق في أرض غنية بالخيرات.

البطل في التراث الأمريكي

منذ البداية، أتاح الواقع التاريخي في الغرب الأمريكي تشكّل صورة البطل الأمريكي بسرعة، وفق منظومة من القيم العلمانية والمبادئ اليهودية-المسيحية. فقد جرى دمج فكرة الفرد الذي يضحّي من أجل الآخرين، مع صورة المحارب المسيحي الصليبي الغيور الذي يخوض صراعًا دائمًا ضد قوى الشر.

وأصبح بطل الغرب الأمريكي تجسيدًا لـ”المخلّص”، حتى بدا وكأنه يحلّ محل المسيح الذي تراجعت صورته الروحية والعقائدية تحت وطأة النزعات العقلانية والعلمية المتنامية. ومع ذلك، ظل هذا البطل نفسه يمثل بارقة الأمل في الخلاص الديني والروحي. وهكذا غدا بطل الغرب الأمريكي جزءًا أصيلًا من التراث الشعبي والذاكرة الثقافية للولايات المتحدة، لما يتمتع به من حضور طاغٍ في الخيال والوجدان الجمعي.

على درب التمدد نحو الغرب

استطاعت أسطورة الغرب الأمريكي أن تحافظ على حضورها عبر إعادة تفعيل آليات الهيمنة، ومواصلة التمدد السريع والاستيطان في أراضي الهنود الحمر والبراري القاحلة. فقد شكّل الطريق نحو الغرب لحظات فاصلة يواجه فيها الفرد ذاته والآخر، في سعيٍ لاستعادة الرمزية عبر إعادة تشكيل جوهرها الممزوج بالتجربة التاريخية والبطولة المتخيلة.

وقد تجلّت هذه الصورة بوضوح في أدب الغرب الأمريكي وفي الثقافة الشعبية التي مجّدت قيم الحرية والانطلاق. وكان من أبرز تجليات هذا الولع بالحرية تلك الرحلات المتواصلة نحو الغرب، بحثًا عن حياة أفضل وفرص أرحب.

البطل الأمريكي يمثل طموح أمة

أمريكا مجتمع حديث نسبيًا، حيوي وطموح، ولذلك صنعت أبطالها على صورتها هي، لا على صورة الأبطال الكلاسيكيين. فبطل الغرب الأمريكي لم يكن امتدادًا لأساطير الماضي، بل تجسيدًا للهوية الجديدة التي أرادها الأمريكيون لأنفسهم.

وكل ثقافة تنتج بطلها من نسيج احتياجاتها ورؤيتها للحياة، فترسم له دورًا يرشد الناس ويمنحهم نموذجًا للتغلب على مصاعب الحياة وتقلبات القدر. ومن هنا كان طبيعيًا أن يختلف بطل الغرب الأمريكي عن أبطال الثقافات التي حملها الأوروبيون معهم إلى العالم الجديد.

ولأن هذا البطل يجسّد طموحات أمة ناشئة تتقدم بسرعة، فقد ظهر في الأدب والسينما بأشكال متعددة: فهو مرةً رائدًا مستكشفًا، ومرة فلاحًا يعمل بجد، وثالثة راعي بقر (كاو بوي)، أو مقامرًا لا يخشى المخاطرة. وقد يكون رجل قانون (الشريف)، أو خارجًا عن القانون تُطارده السلطات حيًا أو ميتًا، أو حتى شخصًا يفرط في استخدام السلاح لحسم النزاعات. هكذا وُلد البطل الأمريكي بوجوه كثيرة، كلها تعكس ملامح الأمة التي صنعته.

السمات الأساسية لبطل الغرب الأمريكي

يتسم بطل الغرب الأمريكي بمجموعة لافتة من الخصال؛ فهو جسور وجريء وشهم. مهيب الحضور ورقيق المشاعر في الوقت ذاته. إنه قاهر البراري القاحلة، والخصم القادر على هزيمة الهمجيين والأشرار، والمغيث الذي يمدّ يده للفقراء والضعفاء والمحتاجين.

إنه فارس لا يترجل عن صهوة جواده، دائم السعي إلى مغامرات وبطولات جديدة. يمتلك القدرة على كبح انفعالاته والحفاظ على اتزانه مهما اضطربت الظروف. ورغم حيازته للسلاح، فإنه لا يلجأ إلى القتل إلا عند الضرورة القصوى. ما يمنحه بعدًا إنسانيًا يميّز صورته الأسطورية.

تجربة الاستكشاف في الأدب الأمريكي

تركَت تجربةُ الاستكشاف أثرًا غائرًا لا يمّحي في الوعي الأمريكي، وأسهمت في ترسيخ اتجاهات أصبحت جزءًا أصيلًا من الوجدان الجمعي. ومن أبرزها ميل الأمريكيين الدائم لخوض التجارب الجديدة. واتصافهم بفردانية تعلي من قيمة الفرد، وتمجّد الذكاء وسعة الحيلة. وتقدّس الثبات والصبر والجلَد في مواجهة الشدائد. ومع الزمن تحوّلت هذه السمات إلى رموزٍ لحبّ الحرية وما يرتبط بها من دوافع ومثل.

وقد صوّرت الروايات الشعبية الاستكشافية في الأدب الأمريكي حكايات أولئك الرواد القساة الذين أثبتوا بأسهم في ترويض البراري الوعرة. كما رصدت الجوانب المؤلمة من اندفاع المستوطنين البيض نحو إبادة السكان الأصليين والاستيلاء على أراضي الغرب. بكل ما حملته تلك الحقبة من صراعات وتحوّلات مصيرية.

 

كما تناولت الروايات – مثل رواية “يا روّاد” للروائية الأمريكية ويللا كاثر – أثر امتزاج الأعراق المختلفة داخل بوتقة الاستكشاف. وكيف وحّدهم ذلك في مواجهة صراعهم المشترك مع قسوة الطبيعة ووعورة تضاريس الغرب الأمريكي. ويستحضر جاك لندن، الناشط الاجتماعي والروائي الأمريكي، في روايتيه “المخلب الأبيض” و “نداء البرية” الأجواء الوحشية لبراري ألاسكا. التي تمكنت جحافل المستوطنين الأوائل من ترويضها بصعوبة.

 

وتوجد كذلك فئة أخرى من الكتابات التي تناولت تجربة استكشاف براري الغرب. وهي الروايات الشعبية التي لم يتردد كتّابها في استلهام نصوصهم من أجواء الروايات التاريخية. مركّزين على تصوير الصراع الدموي بين المستوطنين البيض والسكان الأصليين. بكل ما حمله من عنف وتوتر وتحوّلات درامية.

الرابط المختصر :