بقلم نوره السبيعي: ليست كل القصص التي تروى عن الحب بريئة كما تبدو، فبعضها لا يكتفي بسرد الحكايات؛ بل يعيد تشكيل وعينا بالمشاعر بطريقة خفية حتى نكاد، دون أن نشعر، نصدق أن ما يؤذينا هو ما يستحق أن يسمّى حبًا.
الدراما لا تعكس الواقع دائمًا بقدر ما تعيد صياغته بما يخدم الحكاية. ولأن القصة تحتاج إلى التوتر كي تبقى جذابة، يصبح الاضطراب العاطفي أكثر حضورًا على الشاشة من الطمأنينة.
ومع تكرار الصورة نفسها في الأعمال الدرامية، يبدأ مفهوم الحب بالتبدل في الوعي الجمعي.
في كثير من القصص، ومنها ما رأيناه في “شارع الأعشى” وغيره ، يعاد ترتيب المشاعر بطريقة لافتة. العلاقة الهادئة تبدو عادية في سياق الحكاية، والوضوح في المشاعر يبدو أقل إثارة دراميًا، أما العلاقات المليئة بالغموض والتقلّب فتُقدَّم وكأنها الأكثر عمقًا وشغفًا.
كأن الدراما تقول لنا بصوت غير مسموع:
إن الحب الحقيقي لا بد أن يكون معقدًا،
وأن العلاقة التي تترك القلب في حيرة هي الأكثر إثارة للمشاعر.
ومع الوقت تتسلل هذه الفكرة إلى وعي المشاهد دون أن يلاحظها.
فيبدأ بعض الناس في قياس الحب بمعايير درامية:
كلما زاد الغموض ظنوا أن العلاقة أعمق،
وكلما زاد القلق ظنوا أن المشاعر أقوى.
لكن ما يحدث في كثير من هذه القصص ليس حبًا بقدر ما هو توتر عاطفي مُصاغ بطريقة جذابة.
فالدراما تحتاج إلى الصراع لتصنع قصة،
وتحتاج إلى الحيرة لتبقي المشاهد متعلّقًا بالأحداث.
ولهذا تبدو العلاقات المضطربة أكثر حضورًا على الشاشة؛ ليس لأنها أكثر صدقًا، بل لأنها أكثر قابلية للسرد الدرامي.
غير أن المشكلة تبدأ حين تنتقل هذه الصورة من الشاشة إلى الواقع.
حين يبدأ بعض الناس في الاعتقاد أن الطمأنينة علامة على الملل، وأن العلاقة الواضحة أقل قيمة من العلاقة الغامضة.
وهنا يحدث الالتباس الكبير.
فالحب الحقيقي في جوهره لا يقوم على الحيرة الدائمة،
ولا يبنى على لعبة شدّ الحبال بين قلبين.
الحب الناضج شعور أكثر هدوءً مما تصوره الدراما،
وأكثر وضوحًا مما ترويه القصص.
إنه لا يحتاج إلى الغموض كي يبدو عميقًا،
ولا إلى القلق كي يثبت وجوده.
الحب الصادق لا يستهلك القلب…
بل يعيده إلى نفسه أكثر اتزانًا.
ولهذا ربما يبدو أقل درامية على الشاشة.
فالطمأنينة لا تصنع حبكة مثيرة،
لكنها تصنع شيئًا أكثر أهمية بكثير…
تصنع علاقة يمكن أن تعاش، لا مجرد قصة يمكن أن تروى.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أننا لم نعد نبحث عن الحب كما هو، بل كما تعلمنا أن نراه.
فبعد سنوات من القصص الدرامية، أصبح كثيرون يظنون أن الحب لا بد أن يكون صاخبًا، معقدًا، مليئًا بالأسئلة والانتظار.
لكن الحب في حقيقته ليس لغزًا يحتاج إلى حل،
ولا معركة عاطفية تحتاج إلى انتصار.
الحب الحقيقي أكثر هدوءً مما تخبرنا به القصص،
وأكثر بساطة مما تقنعنا به الدراما.
ولهذا قد لا يبدو دائمًا مثيرًا على الشاشة…
لكنه في الحياة الواقعية
أكثر الأشياء التي تستحق أن تعاش.
الرابط المختصر :
















