الحلم الواعي.. حين يستيقظ الإدراك داخل الأحلام

يعدّ الحلم من أكثر الظواهر المرتبطة بالنوم إثارةً للاهتمام، إذ يتيح للإنسان خوض تجارب ذهنية قد تبدو واقعية رغم حدوثها أثناء النوم. ومن بين أكثر أشكال الأحلام غرابةً وإثارةً يبرز الحلم الواعي (Lucid Dreaming)، وهو حالة يصبح فيها الشخص مدركًا، أثناء الحلم، أنه يحلم. ولا يقتصر الأمر على هذا الإدراك فحسب، إذ قد يتمكن الحالم في بعض الحالات من التأثير في مجريات الحلم وتوجيه أفعاله أو بعض عناصره.

ترتبط الأحلام الواعية بصورة خاصة بمرحلة حركة العين السريعة (REM) من النوم. وهي المرحلة التي تزداد خلالها مستويات نشاط الدماغ وتصبح الأحلام أكثر وضوحًا وتعقيدًا. وتبدأ هذه المرحلة عادةً بعد نحو 90 دقيقة من بداية النوم، وتتميز بارتفاع النشاط العصبي في القشرة المخية.

وتشير الأدلة إلى أن الحلم الواعي قد يمثل حالة فريدة تجمع بين بعض خصائص النوم واليقظة. فالجسم يكون في حالة نوم، بينما تستعيد بعض المناطق الدماغية المرتبطة بالوعي الذاتي والتفكير نشاطًا يشبه ما يحدث أثناء اليقظة.

This may contain: a girl is sleeping with her cat on the bed

انتشار الأحلام الواعية

لا تحدث الأحلام الواعية بالمعدل نفسه لدى جميع الأشخاص، إذ تختلف درجة انتشارها وتكرارها من فرد إلى آخر. ووفق تحليل تجميعي أجري عام 2016 وشمل بيانات أكثر من 30 دراسة، أفاد نحو 55% من الأشخاص بأنهم مروا بحلم واعٍ واحد على الأقل خلال حياتهم، في حين أن نسبة أقل من ربع عامة السكان تختبر هذه الظاهرة مرة واحدة على الأقل شهريًا. كما يبدو أن الأحلام الواعية أكثر شيوعًا لدى الأطفال مقارنةً بالمراهقين والبالغين.

وقد ارتبط الاستعداد لتجربة الأحلام الواعية أيضًا ببعض الخصائص الدماغية والنفسية. فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الأكثر قابلية لخوض هذا النوع من الأحلام قد يمتلكون قشرة أمام جبهية أكثر تطورًا أو حجمًا. وهي منطقة دماغية ترتبط بمجموعة من الوظائف المعرفية المعقدة، مثل التفكير والتخطيط واسترجاع الذاكرة والمراقبة الذاتية. كما يبدو أن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة مرتفعة من التأمل الذاتي يكونون أكثر عرضة لهذه التجربة.

وتظهر الأحلام الواعية كذلك بمعدل مرتفع لدى الأشخاص المصابين بالنوم القهري (Narcolepsy)، وهو اضطراب نوم يتميز، من بين أعراضه، بنوبات نوم مفاجئة خلال النهار واضطرابات في نمط النوم.

وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن أكثر من 77% من الأشخاص المصابين بالنوم القهري سبق لهم اختبار حلم واعٍ. مما يدعم وجود علاقة بين خصائص اضطرابات النوم واحتمالية حدوث هذه الظاهرة.

This may contain: a young woman sleeping on top of a bed with her hands under her chin and eyes closed

ماذا يحدث في الدماغ أثناء الحلم الواعي؟

لفهم الحلم الواعي، من الضروري مقارنته بالحلم العادي الذي يحدث أثناء نوم حركة العين السريعة. خلال الأحلام غير الواعية، ينخفض نشاط بعض المناطق الدماغية المرتبطة بالوعي الذاتي والذاكرة والتفكير النقدي ولا يدرك النائم عادةً أن الأحداث التي يعيشها ليست حقيقية. لذلك، قد يتقبل الحالم أحداثًا غير منطقية داخل الحلم كما لو كانت واقعية.

أما في الحلم الواعي، فيحدث تغير في نمط نشاط الدماغ، إذ يرتبط إدراك الحالم بأنه يحلم بزيادة النشاط في مناطق من القشرة الأمامية الجبهية والجدارية والصدغية.

وترتبط هذه المناطق بعمليات معرفية مهمة، من بينها الوعي الذاتي، واتخاذ القرار، والمراقبة الذاتية، والتفكير في الحالة الذهنية للفرد. وبذلك، فإن الحالم الواعي لا يعيش الحلم فقط، وإنما يصبح قادرًا على إدراك حالته الذهنية أثناء حدوثه.

وقد دفعت هذه الخصائص الباحثين إلى اعتبار الحلم الواعي حالةً فريدة تجمع بين بعض سمات النوم واليقظة. ففي حين يبقى الشخص نائمًا ويستمر في تجربة الحلم، تستعيد بعض الشبكات الدماغية المرتبطة بالوعي نشاطها. مما يسمح بظهور مستوى من الإدراك الذاتي لا يكون موجودًا عادةً أثناء الأحلام غير الواعية.

This may contain: an old black and white photo of a woman laying in bed with her head on the pillow

كيف يحدث الحلم الواعي؟

لا تزال الآليات الدقيقة المسؤولة عن الحلم الواعي غير مفهومة بشكل كامل، ولذلك اقترحت عدة نظريات لتفسير كيفية حدوثه. وتفترض إحدى النظريات أن بعض تسلسلات النوم واليقظة قد تسمح لمناطق دماغية تكون نشطة أثناء اليقظة بالحفاظ على قدر من النشاط خلال النوم.

وقد يؤدي ذلك إلى استمرار بعض مظاهر الوعي الذاتي وما وراء المعرفة. أي قدرة الإنسان على مراقبة أفكاره وحالته العقلية وتقييمها، أثناء الحلم.

وتدعم هذه الفكرة اعتبار الحلم الواعي حالة هجينة تجمع بين النوم واليقظة؛ فالشخص يكون نائمًا من الناحية الفسيولوجية. لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بدرجة من الوعي بحالته.

في المقابل، تركز نظرية أخرى على الجانب النفسي، وتقترح أن ارتفاع مستوى ما وراء المعرفة قد يكون العامل الأساسي الذي يسمح للحالم بإدراك أن تجربته ليست حقيقة وإنما حلم.

أما نظرية ثالثة فتربط بين العوامل الفسيولوجية والنفسية، وتقترح أن بعض اضطرابات النوم أو الحرمان من النوم قد تؤثر في مستوى الوعي أثناء الراحة.

This may contain: a woman laying on top of a tree next to an open book with the words in spanish above her

وقد يؤدي الانتقال السريع من اليقظة إلى نوم حركة العين السريعة. خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من الحرمان من النوم إلى زيادة احتمال حدوث الأحلام الواعية. ومع ذلك، لا تزال هذه التفسيرات موضع بحث، ولا يمكن اعتبار أي منها تفسيرًا نهائيًا للظاهرة.

هل يمكن تحفيز الحلم الواعي؟

رغم أن بعض الأشخاص يختبرون الأحلام الواعية بصورة تلقائية، فقد حاول الباحثون تطوير تقنيات تساعد على زيادة احتمال حدوثها. ومن بين هذه الأساليب تدوين الأحلام، حيث يحتفظ الشخص بمذكرات يسجل فيها ما يتذكره من أحلامه بعد الاستيقاظ. ويساعد ذلك على تحسين القدرة على تذكر الأحلام والانتباه إلى الأنماط والعلامات غير المعتادة التي قد تظهر فيها.

كما تستخدم بعض المؤثرات الحسية الخارجية أثناء النوم بهدف تنبيه الحالم إلى أنه داخل حلم، إلى جانب تقنيات تعتمد على تغيير نمط النوم. ومن أشهرها تقنية “الاستيقاظ ثم العودة إلى النوم” (Wake Back to Bed). والتي تقوم على الاستيقاظ بعد نحو خمس ساعات من النوم، والبقاء مستيقظًا لفترة قصيرة، ثم العودة إلى النوم.

وقد أشارت الأبحاث إلى أن الجمع بين عدة تقنيات قد يكون أكثر فعالية من استخدام تقنية واحدة منفردة. ومن الأساليب التي درست الجمع بين المؤثرات الخارجية، واختبارات الواقع التي تساعد الشخص على التساؤل عما إذا كان مستيقظًا أم يحلم. وتقنية الاستيقاظ ثم العودة إلى النوم، بالإضافة إلى تقنيات تعتمد على تذكر الأحلام وتكرار عبارات ذهنية تساعد الشخص على تذكّر رغبته في إدراك أنه يحلم.

وبذلك، لا يمثل الحلم الواعي مجرد تجربة غريبة تحدث أثناء النوم، بل يشكل ظاهرة تثير اهتمام علم الأعصاب وعلم النفس ودراسة الوعي. فهو يضع الإنسان في حالة فريدة يكون فيها نائمًا، لكنه يدرك في الوقت نفسه طبيعة تجربته الداخلية.

وبينما تشير الدراسات إلى وجود تغيرات واضحة في نشاط بعض المناطق الدماغية أثناء الأحلام الواعية. لا تزال الآليات الدقيقة التي تسمح بظهور هذا الوعي أثناء النوم بحاجة إلى مزيد من البحث.

وربما تكمن أهمية دراسة هذه الظاهرة في أنها لا تساعد فقط على فهم الأحلام. وإنما تقدم أيضًا نافذة غير عادية لدراسة الوعي البشري وحدوده والعلاقة بين النوم والإدراك.

أين ينتهي الحلم ويبدأ الواقع؟

لا تكمن غرابة الحلم الواعي في القدرة على الطيران أو تغيير المكان. بل في أن يدرك الإنسان أنه يعيش تجربة يصنعها دماغه بينما لا يزال جسده نائمًا. نحن نقضي جزءً كبيرًا من حياتنا نعتقد أننا نعرف متى نحلم ومتى نكون مستيقظين. لكن الحلم الواعي يضع هذه الحدود موضع سؤال.

إذا كان بإمكان عقلك أن يصنع عالمًا كاملًا، ويجعلك تراه وتسمعه وتشعر به، ثم يسمح لك في لحظة معينة بأن تدرك أنك داخله…

فكيف تعرف أنك مستيقظ الآن؟

الرابط المختصر :