في قلب الحرات البركانية شمال غرب المملكة العربية السعودية، يختبئ كهف أم جرسان، المعروف أيضًا باسم غار أم الجرسان، كواحد من أبرز المواقع الطبيعية والأثرية التي تكشف جانبًا من تاريخ الجزيرة العربية.
ويعد الكهف واحدًا من بين نحو 1826 كهفًا ودحلًا تنتشر في مناطق مختلفة من المملكة، لكنه يتميز بحجمه الكبير وما يحتويه من أدلة على وجود بشري وحيواني يعود إلى آلاف السنين.
ويمتد كهف أم جرسان في صورة قناة بركانية أنبوبية بطول يصل إلى نحو 1350 مترًا. فيما يبلغ أقصى ارتفاع له قرابة 12 مترًا، ويصل عرضه إلى نحو 45 مترًا. كما يضم عددًا من الفتحات والممرات، يصل عمق بعضها إلى نحو 25 مترًا.
أين يقع كهف أم جرسان؟
يقع الكهف وسط طفوح حرة خيبر البركانية، على مسافة تقارب 200 كيلومتر شمال المدينة المنورة، على الطريق الرابط بين المدينة وخيبر. وتمنحه طبيعة المنطقة البركانية موقعًا جيولوجيًا فريدًا. فيما جعلت المكتشفات الموجودة بداخله من الكهف موقعًا مهمًا لدراسة تاريخ الاستيطان البشري والبيئة القديمة في الجزيرة العربية.
وعثرت الفرق العلمية داخل الكهف على بقايا بشرية وحيوانية. إلى جانب كتابات ومكتشفات أخرى تشير إلى استخدام الموقع على مدار فترات زمنية مختلفة. ما جعله من أبرز الكهوف المعروفة في الجزيرة العربية من الناحية الأثرية.

كيف تشكل كهف أم جرسان؟
وبحسب “سعوديبيديا” يرتبط تكوين الكهف بالنشاط البركاني الذي شهدته منطقة خيبر في فترات سابقة. فقد تشكلت أنابيب الحمم البركانية عندما تدفقت الحمم الساخنة عبر مجارٍ طويلة ومنحدرة، بالتزامن مع ميل الأرض باتجاه الغرب.
ومع استمرار تدفق الحمم، بدأت الطبقات السطحية منها في التبريد والتصلب، بينما بقيت الحمم في الداخل ساخنة وتواصل تدفقها. وبعد توقف النشاط البركاني وانتهاء تدفق الحمم، تركت هذه العملية وراءها قناة طويلة وفارغة تحولت مع مرور الزمن إلى كهف أم جرسان.
أدلة على استيطان بشري يعود لآلاف السنين
وفي أبريل 2024، أعلنت هيئة التراث السعودية عن اكتشاف أدلة على استيطان بشري داخل كهف أم جرسان، ضمن تعاون علمي ضم الهيئة وجامعة الملك سعود ومعهد ماكس بلانك الألماني وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية. وذلك في إطار أعمال مشروع «الجزيرة العربية الخضراء».
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة PLOS ONE، لتشكل خطوة مهمة في دراسة الكهوف السعودية من الناحية الأثرية. كما أظهرت النتائج أن أقدم الأدلة المكتشفة في الموقع تعود إلى العصر الحجري الحديث، ويقدر عمر بعضها بما يتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف عام. هذا مع استمرار استخدام الموقع خلال العصر النحاسي والعصر البرونزي.
وتشير النتائج إلى أن جماعات رعوية استخدمت الكهف في فترات مختلفة. حيث عُثر على بقايا عظمية لحيوانات جرى تأريخ بعضها باستخدام الكربون المشع، ويعود أقدمها إلى نحو 4100 عام قبل الميلاد. علاوة على جماجم بشرية يعود أقدمها إلى نحو 6000 عام قبل الميلاد.
عظام حيوانات وفنون صخرية
لم تقتصر المكتشفات داخل الكهف على البقايا البشرية والحيوانية. إذ عثرت الفرق العلمية أيضًا على مواد مثل الخشب والقماش. إلى جانب أدوات حجرية وواجهات من الفن الصخري.
وتصور بعض الأعمال الصخرية مشاهد مرتبطة بالرعي، بما في ذلك رعي الماعز والأغنام والأبقار بمساعدة الكلاب. بينما توثق مشاهد أخرى عمليات صيد لأنواع مختلفة من الحيوانات البرية.
وتقدم هذه الأدلة صورة عن طبيعة الحياة التي عاشتها الجماعات البشرية في المنطقة. كما تساعد الباحثين على فهم التغيرات التي طرأت على البيئة والمناخ في الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.

اكتشافات سابقة تكشف ثراء الكهف
وسبق أن أعلنت هيئة التراث في يونيو 2021 عن اكتشافات مهمة داخل كهف أم جرسان. ذلك بالتعاون مع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية وجامعة الملك سعود ومعهد ماكس بلانك الألماني.
وشملت المكتشفات بقايا أثرية وأحفورية، إلى جانب عشرات الآلاف من عظام الحيوانات، من بينها الضبع المخطط، والخيل والحمير البرية والأليفة، والجمال البرية والأليفة، والوعل والماعز والأبقار. كما عثر على جماجم بشرية. وكانت نسبة كبيرة من البقايا المكتشفة في حالة حفظ جيدة رغم مرور آلاف السنين.
ويكشف كهف أم جرسان، بما يحويه من أدلة جيولوجية وأثرية، عن أهمية الكهوف والأنابيب البركانية القديمة في دراسة تاريخ الجزيرة العربية، ليس باعتبارها ظواهر طبيعية فحسب، وإنما بوصفها سجلات مفتوحة توثق مراحل من حياة الإنسان والحيوان والبيئة في المنطقة عبر عصور مختلفة.



















