اجتماعيات

“الأيدي الناعمة” تقتحم المهن الذكورية في الوطن العربي

قيادة الطائرات والميكانيكا والنجارة.. أبرز المهن التي حققن فيها النساء نجاحات مبهرة

كسب لقمة العيش..والرغبة في إثبات الذات.. بعض الدوافع لاقتحام المهن الصعبة

أمل خاروف: طموح المرأة المتنامي أجبر المجتمعات على تغيير نظرتها النمطية للعمل النسائي

نوال قبابعة: أرفض لقب”المرأة المسترجلة”.. والسيدات الناجحات يمتلكن إرادة قوية

تسعى النساء في المجتمعات العربية للعمل في أغلب الأحيان مدفوعات بظروف اجتماعية صعبة، تُجبرهن على النزول لسوق العمل، إلا أن بعضهن يسعى للعمل لإثبات ذاته؛ ليبرهن على أن النساء بإمكانهم العمل مثل الرجال، وفي جميع المهن.

وفي بعض المجتمعات، بدأت المرأة تسد فراغ تغيب الشباب عن بعض الوظائف، وتوجهت للعمل في مهن كانت فيما قبل مقصورة على الرجال، وزاد انتشار الأمر خاصة مع الدراسات التي أكدت أن مشاركة النساء في قوة العمل إلى حد المساواة مع الرجال قد تُؤدِّي إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة 5%، وفي الإمارات العربية المتحدة 12%، وفي مصر 34%.

وفي تحقيق موسع تناقش مجلة “الجوهرة“، دور النساء ومشاركتها للرجل في بعض المهن ذات الخطورة أو ما يسمى بالمهن الذكورية في إحداث تنمية اقتصادية بالوطن العربي، ومدى تقبل المجتمعات لفكرة التحاق بعض النساء بالمهن التي ظلت طويًلا حاملة شعار “للرجال فقط”.

نساء مسترجلات أم قويات الإرادة؟

ومع معاناة كثير من النساء العاملات من نظرة المجتمع الذكوري لهن، ولما يقمن به من أعمال، ذلك لأنهن تمكن من تخطي ثقافة “العيب”، وتجاوزن العادات والتقاليد ، واستطعنا تحقيق نجاحات باهرة رغم ما لاقين من صعوبات.

في البداية، أكدت الأردنية الكابتن نوال قبابعة؛ وهي طيار تجاري ومديرة لأكاديمة تدرب على علوم الطيران، أن دخول المرأة إلى عالم المهن الصعبة والتي كانت حكرًا على الرجال ما يزال يقابل في بعض الأحيان بالاستغراب أو الرفض، ويطلق على من تدخل هذا الغمار بـ”المسترجلة”.
وتبدي قبابعة تحفظها على لقب “مسترجلة” الذي يطلقه البعض على المرأة القوية وصاحبة الإرادة والعزيمة التي دخلت غمار العمل بقوة وشجاعة مثبتة تفوقها، مشددة على أن المرأة في كثير من المهن الصعبة لا بد أن تبذل مجهودًا مضاعفًا لإثبات نفسها وقدراتها شريطة أن تحافظ على خصوصية أنوثتها وهدوئها، معتبرة أن القوة ليست بالصوت المرتفع أو التسلط، إنما بالجهد والمثابرة والطموح.

وبينت أن المرأة إذا عشقت العمل الذي تقوم به لا بد أن تبدع وتتخطى جميع الصعاب حتى وإن كانت صعوبات جسدية، لافتة إلى أن جسدها سيعتاد على الأمر ويتكيف معه.

بدورها، أوضحت الدكتورة أمل خاروف؛ المختصة في دراسات المرأة، أن النظرة تجاه المرأة عمومًا تطورت في السنين القليلة الماضية، مدللة على ذلك بقبولها التحدي وقدرتها على إثبات نجاحها وتفوقها في مجالات العلم والعمل المختلفة.

وأضافت منْ كانت تتحلى بالطموح والمثابرة والرغبة في دخول الميادين الصعبة، توصف أحيانا بالمسترجلة التي تمردت على دورها في المنزل كأم وزوجة.

ورأت خاروف، في مقابل ذلك، أن هذه الصورة بدأت بالتغير الجذري نحو الأفضل، ونحو اعتراف المجتمع النسبي بقدرة المرأة على دفع عجلة التنمية دون مضايقتها بإطلاق الصفات القاسية عليها، مع تأكيدها على ضرورة أن لا تنسى المرأة دورها الأساسي والطبيعي في بناء أسرتها الصغيرة.

وفي سوريا ساهمت المعارك المحتدمة على الأرض السورية، وحملات الاعتقال المتكررة بهدف الإلحاق بالجيش، بتعزيز هجرة الذكور وإفراغ البلاد من الشباب، ما دفع بالمرأة التوجه لشغل شواغر جديدة في الحياة الاقتصادية في مهن كانت حكرًا على الرجال، بهدف تأمين مصاريف الحياة اليومية والمعيشة، ووصلت نسبة النساء العاملة إلى 60 % بزيادة أكثر من 20 % عن الوضع قبل الحرب.

وتقول هدير منصور؛ مؤسسة مبادرة باب نعمة لتعليم النساء والفتيات الحرف اليدوية في مصر، إن والدها ويعمل مهندس معماري هو أول من شجعها على تدريب الفتيات على الأعمال الحرفية، مشيرة إلى أنها كانت تعمل مدربة سباحة، إلا أن مهنتها كانت موسمية فقط خلال فترة الصيف، وبدأت بتشجيع من والدها في إصلاح بعض أثاث منزلها، ثم منحها والدها غرفة بالمنزل لتبدأ مبادراتها لتعليم السيدات والفتيات الحرف اليدوية.

وافتتحت هدير، ورشة لتدريب الفتيات على إصلاح وتجديد الأثاث المنزلي، وبعض الأعمال اليدوية، وفي غضون عدة أشهر تطورت الورشة؛ لتصبح مشروعًا تجاريًا يدر ربحًا، ويعمل به 15 فتاة، وأوكلت للفتيات أعمال كثيرة في التشطيبات ودهانات المنازل والمتاجر والمطاعم؛ لتصبح لمستهن الأنثوية في الأعمال علامة مميزة لدى الزبائن.

وأكدت هدير، أن جيرانها حينما علموا بعملها في إصلاح الأثاث المنزلي، شجعوها على العمل وأحضروا بعض أثاثهم القديم لإصلاحه، وبدأت الأخبار تنتشر في منطقتنا وطلبني جيران آخرون.

وتضيف، مع الإعجاب بأعمالي وتشجيع عائلتي أنشأت صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” تحت اسم “الدكان” وضعت عليها صورًا لأعمالي، وطلبت إحدى صديقاتي أن تعمل معي، وتلتها صديقة أخرى، ومع الانتشار السريع الذي حققناه وضيق الغرفة استأجرنا شقة صغيرة بالقرب من منزلي حولناها إلى ورشة أطلقنا عليها اسم “باب نعمة” وأنشأنا صفحة جديدة للورشة على موقع “فيسبوك” تحمل الاسم نفسه.

وتضيف منصور: “بدأنا بتدريب الفتيات على إصلاح وتجديد الأثاث المنزلي وبعض الأعمال اليدوية البسيطة، لكن الأمر تطور إلى مشروع تجاري، حيث اضطررنا للانتقال إلى شقة أكبر مكونة من 6 غرف، ويعمل في الورشة 15 فتاة، واتسعت الأعمال من مجرد تجديد الأثاث إلى أعمال دهانات وتشطيبات، حيث نقوم بتشطيبات المنازل والمتاجر والمطاعم، لكننا ما زلنا نحرص على استمرار الدورات التدريبية للفتيات، كما ننظم في الصيف ورش لتدريب الأطفال على بعض الأعمال اليدوية؛ كي يتمكنوا من إصلاح ألعابهم أو صناعة بعض الألعاب من قطع خشبية قديمة”.

تحد صعب

تقول قشطة محمد جمعة؛ وتعمل سائقة ميكروباص بمدينة بنها بمحافظة القليوبية بمصر، أنها تعرضت في البداية للعديد من المضايقات من زملائها السائقين الذكور، إلا أنها كانت تتعامل بحزم مع تلك المواقف، حتى أنها حررت عدة محاضر بأحد أقسام الشرطة ضد بعضهم مفسرة ذلك بقولها: “هما كانوا شايفين أني ست وضعيفة، ومكنوش بيخلوني أحمل ركاب من الموقف”.

وأكدت قشطة أنها قررت النزول لسوق العمل، بعد أن سرق السائق السابق لسيارتها إيراد العمل، فاتخذت قرار بتعلم قيادة السيارات، والنزول للعمل بنفسها.

وأشارت إلى أن ظروفها المعيشية اضطرتها للنزول للعمل على ميكروباص، بعد أن توفي زوجها، وتركها لتعيش مع نجلها، وفي البداية استغرب جيرانها وأقاربها الأمر، إلا أنهم عادوا وشجعوها على العمل بعد أن استطاعت أن تثبت جدارتها كسائقة، وتنفق على تربية نجلها من عملها.

وأشار محمد فاروق؛ الخبير الاقتصادي، أن المرأة العربية أصبحت شريك أساسي في عملية البناء والتنمية ودعم الإنتاج، ويتساوى دورها أو يكاد يقترب من دور الرجل، وذلك بحسب الاحصائيات العالمية التي تؤكد أن نسبة هائلة من الاقتصاد تشارك بها المرأة عبر العمل من المنزل، والذي تبلغ نسبته نحو 40% من إجمالي الناتج الإجمالي العالمي.

ويضيف فاروق: الدور الاقتصادي التي قامت به المرأة الفترة الماضية، يجعل المجتمعات تتجاهل الفروقات في المهن بين الرجل والمرأة ما دامت قادرة على أن تصبح قيمة مضافة للاقتصاد بما يتناسب مع مسؤوليتها الاجتماعية والأسرية.

وأظهرت دراسات صادرة مؤخرًا، مدى التحسن الذي حظيت به المرأة في المجال الاقتصادي خلال الفترة الماضية ، حيث ارتفع مشاركة العنصر النسائي في الوظائف العمومية بالمغرب إلى 38.6 %، فيما وصل عدد العاملات في سلطنة عمان بالوظائف العمومية إلى 318 ألف سيدة، فيما كشفت إحصائية حديثة صادرة عن الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية بالبحرين ارتفاع متوسط رواتب النساء على الراجل بنسبة وصلت إلى 8 %.

وأوضح تقرير صادر عن قطاع الترخيص التجاري بدولة الإمارات أن 11.3 % من إجمالي رخص الأعمال تمتلكها سيدات، وذلك في الوقت الذي كشفت الدراسة تحسن مشاركة المرأة في القوى العاملة بمجلس التعاون الخليجي لتصل إلى 32 %.

وقالت زينب القرشي؛ رئيسة جمعية مهندسون بلا حدود الكويتية، إنه حان الوقت لكي تنخرط السيدات في جميع وظائف المجتمع سواء السياسية أو الفنية والإدارية، وأن النظرة للوظائف على أنها ذكورية أو أنثوية أصبح أمر قديم ولا يصلح للتنمية الاقتصادية التي تسعى إليها المجتمعات العربية أو الغربية على السواء.

نماذج ناجحة

ونستعرض في السطور التالية، بعض النماذج الناجحة لسيدات عربيات من مصر، وتونس، والمملكة العربية السعودية، والأردن، ولبنان، اللواتي أثبتن جدارتهن في تولي المهن التي طالما اقتصرت على الرجال:

السعودية دنى الغامدي

حققت الفتاة السعودية دنى الغامدي، نجاحات متتالية في مباريات الـ”كيك بوكسينج”؛ إذ لم تمنعها قيود المجتمع السعودي من المنافسة على المستوى الاحترافي.

وفي شهر فبراير الماضي، استضافت الأردن بطولة القائد الدولية للملاكمة لعام 2018؛ حيث نافست “دُنى” ملاكمات من مصر وفلسطين، والإمارات، والأردن، ولبنان، والكويت، والنرويج، وغيرها؛ لتحرز نجاحًا منقطع النظير، وتفوز بالميدالية الذهبية بعد تغلبها على منافستها الأردنية في المباراة النهائية .

وهكذا، أصبحت دُنى الغامدي أول سعودية تنافس على الصعيدين المحلي والدولي، وتفوز ببطولة دولية للملاكمة، وتلقب بـ “بطلة العرب”؛ لتؤكد أن المرأة السعودية يمكنها تمثيل بلادها في مختلف المجالات.

الأردنية عائدة القرنة

لطالما عهدنا اقتصار مهنة النجارة على جنس الرجال فحسب، إلا أن السيدة الأردنية عائدة القرنة آمنت بقدراتها في هذا المجال؛ وأسست مشغلًا كبيرًا مجهزًا بكافة الماكينات اللازمة لأداء عملها.

وبالفعل نجحت “القرنة” في تصنيع مختلف أنواع الأثاث بجودة ومهارة كبيرتين، وسعر مناسب؛ ما جعل العملاء يتهافتون على شراء منتجاتها، وتزايدت مبيعاتها وأرباحها؛ حتى باتت تنافس العديد من الرجال العاملين في ذات المجال في المملكة.

اللبنانية رولا حطيط

حين بدأت الفتاة اللبنانية رولا حطيط دراستها لمجال الطيران، لم تكن تتنبأ بأنها ستكون صاحبة شأن كبير في هذا المجال وتنافس زملائها من الطيارين الرجال.

وبعد 20 عامًا، أصبحت “رولا” مساعد طيار ثم كابتن، كما أنها تمكنت من كسب ثقة ركابها، وتبديد ما كان ينتابهم من مخاوف بسبب قيادة المرأة للطائرة.

وأصبحت “رولا” أول امرأة لبنانية تقود الطائرات، كما أدرج اسمها ضمن قائمة النساء المثاليات حول العالم، فضلًا عن حصولها على أعلى وسام من الخطوط الملكية البريطانية.

المصرية لقاء الخولي

هي فتاة مصرية لاتزال في العشرينات من عمرها، وتعيش في محافظة الأقصر بصعيد مصر؛ حيث المجتمع المحافظ ذي العادات والتقاليد التي تمنع النساء من ممارسة بعض المهن.
وعلى الرغم من حصولها على دبلوم تجارة، إلا أنها تعلمت من أبيها العديد من أسرار مهنة الميكانيكا بسبب اصطحابها لورشته التي يعمل بها منذ صغرها.

وبعد أن تعلمت “لقاء” سر “الصنعة” وجميع تفاصيلها، أثبتت جدارتها في إصلاح السيارات واحدة تلو الأخرى؛ حتى بات والدها يعتمد عليها بصورة أساسية، وكانت أحد العوامل الرئيسة في تزايد عدد الزبائن يومًا بعد يوم لإصلاح سيارتهم في تلك الورشة.

التونسية آمال بوشرارة

تغلبت السيدة التونسية آمال بوشرارة، على عادات مجتمعها، وقررت أن تعمل كسائقة للمترو في تونس، متقدمة للاختبارات اللازمة، والتي اجتازتها جميعًا بنجاح.

وكأي امرأة تمتهن مهنة مقتصرة –بحكم الأعراف المجتمعية- على الرجال، عانت بوشرارة -في بداية مشوارها المهني- بعض التعليقات الساخرة من قبل الركاب وزملائها في المجال، إلا أنها تمكنت من كسب احترام الجميع فيما بعد.

5 مهن “رجالية” تنتظر السعوديات مستقبلًا

ورشة صيانة السيارات:

ظل الرجال، ولسنوات طويلة، يسيطرون على قطاع السيارات بشكل كبير ومباشر، وهو الأمر الذي تسبب في صعوبة لبعض السيدات في التعامل مع العمال، خاصة أن تلك الورش تقبع في تجمعات رجالية، ومن هنا جاءت الدعوة للعمل على توفير ورش نسائية تتناسب مع طبيعة المملكة والعادات والتقاليد، وبالفعل تم البدء على تدريب عدد من السيدات على صيانة السيارات.

معارض السيارات:

بدأت بالفعل العديد من معارض السيارات بتوفير أماكن عمل للسعوديات ليقمن بخدمة النساء اللواتي يردن شراء سيارة، حيث قامت بتدريبهم على تقديم النصائح للسيدات، وقد شهدت مدينة جدة افتتاح أول معرض مخصص لبيع السيارات للنساء جميع العاملات فيه من النساء، وهو أول معرض من نوعه على مستوى العالم، ومن المتوقع أن نشهد افتتاح عدد من صالات عرض السيارات المخصصة للنساء في السعودية.

القطاع المروري:

سيتاح للمرأة العمل في كتابة المخالفات، حيث ستسجل المخالفات المرورية للنساء وتسجيلها بالنظام المروري، بالإضافة إلى العمل في الشرطة النسائية، لأنه لا بد من وجود الشرطة النسائية بحيث يكون التواصل معهن في الأمور الخاصة بالنساء أثناء التعرض إلى مشكلة بالسير أو بالأوراق الرسمية.

مكاتب تأجير السيارات:

من المتوقع أن تشهد مكاتب تأجير السيارات إقبالًا كبيرًا من النساء، ولذلك بدأت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في توفير فرص العمل للنساء في قطاع تأجير السيارات، والعمل على التدريب والتأهيل اللازمين للفتيات الراغبين في العمل في قطاع التأجير.

سائقات أجرة:

فور صدور القرار السامي بقيادة النساء، أبدى عدد من شركات الأجرة العالمية مثل: “أوبر، وكريم” رغبتهم في توفير فرص عمل وتدريب للنساء للعمل في قطاع نقل الأفراد خاصة السيدات، ما يوفر أريحية للنساء والعائلات، وقد يدخل الأمر حيز التنفيذ في المستقبل القريب بعد تفعيل قرار قيادة المرأة.

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى