لا يوجد مجتمع إنساني يخلو من ثلاثة مقومات رئيسية: التعارف، التفاهم، والتكافل. حين تتوافر هذه العناصر، يكون المجتمع متماسكًا كالبنيان المرصوص. أما إذا ظهر ازدواج في السلوكيات، تنهار أسس المجتمع وتصبح أركانه هشة، حيث يرتدي كل ركن منه “ثوبًا لا يناسبه”، فتبدو الأقوال سامقة بينما الأفعال مجرد ركام.
في وقت تواجه فيه أمتنا الإسلامية تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية. تتضح خطورة التناقض بين الأقوال والأفعال، حيث ينخر هذا التناقض في نسيج المجتمع ويهدد صمود مؤسساته.
ازدواجية السلوك في الحياة اليومية
أمثلة هذا التناقض تتعدد، فالأب قد ينصح ابنه بالاحترام أمام الأم، بينما يسيء إلى زوجته لأسباب تافهة. ورئيس يخطب عن الديمقراطية والحرية، في حين تكون أفعاله منافية لهذه المبادئ. ورجل ينتقد السلطة على ممارستها للاستبداد، لكنه لا يستشير أسرته أو يلتفت إلى نصائح زملائه.
كما ينعكس هذا التناقض في سلوكيات المشاهير أيضًا، حيث يدعو بعضهم للتسامح والنظام. بينما يظهرون في حياتهم الخاصة بعكس ذلك، مثل الإعلامية التي تنتقد الانتظار أمام الطبيب بينما تتصرف بتهور.

ازدواجية القول والفعل في الإسلام
الإسلام يرفض هذا الانفصام السلوكي ويصفه بالخداع. قال الله تعالى:
“يَا أَيها الذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”
يمكن تفسير ازدواجية السلوك بسببين رئيسيين:
- غياب الاقتناع الداخلي بما يقوله الإنسان، فيكون كلامه متناقضًا مع قناعات قلبه.
- ضعف الإرادة أمام الشهوات، فيلتزم الإنسان بكلماته على المستوى النظري لكنه يخفق في التطبيق العملي.
كلا السببين يؤديان إلى فقدان الثقة بالنفس، ويجعل الإنسان عاجزًا عن تحمل المسؤولية أو الدعوة إلى الخير.
تأثير الضغط الاجتماعي على السلوك
ووفقًا لـ”bshra” حتى لو كان الفرد مقتنعًا بصواب أفعاله، فإن ضغوط المجتمع تجعله يتصرف وفق توقعات الآخرين. وليس وفق ما يراه صحيحًا. كثير من الناس يلجأون إلى التلون والإزدواجية لإرضاء الآخرين وكسب المنافع. متناسين الحقيقة والمبدأ، رغم امتلاكهم القدرة على اتخاذ موقف واعٍ وصحيح.

الوعي.. ركيزة لتماسك الفرد والمجتمع
يعتبر الوعي المحور الأساسي في حياة الإنسان، فهو مصدر قوته ومفتاح إدراكه للعالم من حوله. ينشأ الوعي منذ الطفولة من خلال الأسرة، ويستمر عبر التعلم من القرآن الكريم، السنة النبوية، العلماء، والخطباء. غياب الوعي يؤدي إلى الانفصام بين الأقوال والأفعال، ويجعل الإنسان يعيش حياة مزدوجة تتبنى منافع ضيقة على حساب المبادئ والقيم الأخلاقية.
في النهاية بناء مجتمع متماسك يحتاج إلى أفراد صادقين مع أنفسهم، يمتلكون القدرة على تحقيق التوازن بين “الأنا” و”الكل”. فقط بالوعي والالتزام الأخلاقي يمكننا حماية نسيج المجتمع من الانفصام بين الأقوال والأفعال، وضمان تطوره الاجتماعي السليم.
اقرأ المزيد 12 علامة على تحقيق مستويات أعلى من الوعي
الرابط المختصر :



















