هناك أسماء لا تصنع أفلامًا فحسب، بل تصنع تاريخًا كاملًا. ومن بين هذه الأسماء تبرز هيفاء المنصور، التي تحولت من شابة تحمل كاميرتها في زمن لم تكن فيه صناعة السينما موجودة فعليًا في المملكة العربية السعودية، إلى واحدة من أكثر المخرجات العربيات حضورًا وتأثيرًا على الساحة العالمية.
وفي تتويج لمسيرة امتدت لما يقارب ثلاثة عقود من الريادة، كرم مهرجان الأفلام السعودية المنصور بجائزة خاصة، احتفاءً بدورها في تأسيس ملامح السينما السعودية الحديثة وإيصالها إلى أهم المنصات والمهرجانات الدولية.
رائدة السينما السعودية
شهدت الدورة الأخيرة من مهرجان الأفلام السعودية تكريم المخرجة السعودية الرائدة هيفاء المنصور بمنحها جائزة خاصة تقديرًا لإسهاماتها الاستثنائية في ترسيخ مكانة السينما السعودية على المستويين العربي والعالمي، في لحظة حملت الكثير من الدلالات لمسيرة امتدت لعقود من الريادة والإصرار.
وأقيم حفل التكريم في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، الذي يحتضن فعاليات المهرجان هذا العام تحت شعار “سينما الرحلة“، وهو عنوان بدا انعكاسًا مثاليًا لمسيرة المنصور التي ارتبط اسمها بولادة السينما السعودية الحديثة وتطورها.
وخلال تسلمها الجائزة، وصفت المنصور هذا التكريم بأنه يحمل قيمة خاصة لأنه يأتي من مهرجان سعودي يحتفي بالمواهب المحلية، ومن مؤسسة دعمت صناع الأفلام في المملكة.
كما أشادت بالجهود الكبيرة التي تبذلها جمعية السينما السعودية في تطوير القطاع السينمائي، مؤكدة أن عودتها للتكريم في المنطقة الشرقية، حيث بدأت أحلامها الأولى، تمنح المناسبة بعدًا شخصيًا وإنسانيًا كبيرًا.
من فيلم قصير إلى صناعة تاريخ
بدأت المنصور رحلتها عام 1997 بفيلمها القصير “Who?”، في وقت لم تكن فيه صناعة السينما السعودية تمتلك البنية التي نعرفها اليوم. وبين دراسة الأدب المقارن في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ثم دراسات السينما في جامعة سيدني، صاغت منصور رؤية سينمائية مختلفة جمعت بين الحس الإنساني والجرأة في طرح القضايا الاجتماعية.
لكن الإنجاز الذي غير مسار السينما السعودية جاء عام 2012 مع فيلم وجدة، الذي لم يكن مجرد نجاح نقدي، بل حدثًا ثقافيًا فارقًا. فقد أصبح أول فيلم روائي طويل يصور بالكامل داخل المملكة، وأول فيلم سعودي يرشح لتمثيل البلاد في المنافسة على جوائز الأوسكار، فاتحًا الباب أمام حضور سعودي غير مسبوق في السينما العالمية.
اسم سعودي في أهم المحافل العالمية
لم تتوقف إنجازات المنصور عند “وجدة”، بل واصلت بناء مسيرة عالمية أخرجت خلالها أفلامًا سعودية ودولية، من بينها Mary Shelley والمرشحة المثالية، كما أصبحت أول مخرجة سعودية تعمل في إنتاجات هوليوودية، ورسخت حضورها كصوت سينمائي عربي يحظى باحترام المؤسسات السينمائية الكبرى.
واختيرت كذلك عضوًا في لجان تحكيم عدد من أبرز المهرجانات العالمية، من بينها مهرجان كان السينمائي، بينما تواصل اليوم تقديم مشاريع سينمائية جديدة تؤكد أن تجربتها لم تعد مجرد قصة نجاح فردية، بل أصبحت جزءًا من التحول الثقافي الذي تعيشه المملكة.
ويحمل تكريم هيفاء المنصور في مهرجان الأفلام السعودية دلالة تتجاوز الاحتفاء بمخرجة ناجحة؛ فهو احتفاء بجيل كامل مهد الطريق لولادة صناعة سينمائية سعودية حديثة، وأثبت أن الأحلام التي بدأت بكاميرا صغيرة في نهاية التسعينيات باتت اليوم جزءًا من المشهد السينمائي العالمي.




















