من لوم الآخرين إلى فهم الذات.. كيف يعيد زيلاند تعريف علاقتنا بأنفسنا؟

بقلم: سمو حسام الدين حلوم

من السهل أن ننشغل بما يفعله الآخرون، بما يقولونه أو لا يقولونه، وبالأحداث التي لا تسير وفق ما نريد. ومع الوقت، قد يتحول هذا الانشغال إلى طريقة نفسر من خلالها حياتنا: شخص آخر هو سبب ما حدث، أو ظروف خارجة عن إرادتنا، أو لربما السبب هو البلد أو المكان الذي نعيش فيه …

لكن ماذا يحدث إذا نقلنا مركز الانتباه من الخارج إلى الداخل؟

هذا السؤال يشكل أحد المحاور الأساسية في كتاب “ترانسيرفينغ الذات” للكاتب الروسي فاديم زيلاند، الذي يعود فيه إلى مشروعه الفكري المعروف بـ”ترانسيرفينغ”، لكن من زاوية مختلفة: ليس فقط كيف نتعامل مع الواقع، وإنما كيف نتعامل مع أنفسنا ونحن نعيش هذا الواقع.

ومن هنا تبدأ الفكرة الأكثر إثارة في هذا الكتاب وهي: هل نحن نعيش حياتنا فعلًا بوعي، أم أننا نكرر أفكارنا وعاداتنا وردود أفعالنا بصورة شبه آلية؟

Transurfing Yourself

من التحكم في الواقع إلى إدارة الذات

ارتبط اسم زيلاند منذ كتابه “ترانسيرفينغ الواقع” بفكرة أن الإنسان يستطيع، وفق منظومته الفكرية، أن يغير طريقة تعامله مع الواقع، وأن يختار مساره بدل أن يبقى أسيراً للظروف.

أما في كتاب “ترانسيرفينغ الذات”، فيبدو أن مركز الاهتمام ينتقل خطوة أخرى إلى الداخل.

فبدل أن أسأل: “كيف أغير ما يحدث حولي؟”، يصبح السؤال: “كيف أدير نفسي وأنا أتعامل مع ما يحدث حولي؟”

وهذا التحول مهم؛ لأن محاولة السيطرة على العالم الخارجي قد تكون محدودة بطبيعتها، بينما يملك الإنسان مساحة أكبر للتأثير في انتباهه واستجاباته وقراراته.

هنا يضع زيلاند “الانتباه” في موقعٍ مركزي. فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست فقط فيما يحدث، وإنما في مقدار الطاقة الذهنية التي يمنحها الإنسان لما يحدث.

حين يصبح الآخر هو مركز الانتباه، يصبح سلوكه وقراراته وردود أفعاله موضوعاً دائماً للتفكير. وحين يتحول لومه إلى عادة، قد يمنح الإنسان نفسه تفسيراً مريحاً لما يحدث له، لكنه لا يقترب بالضرورة من حل المشكلة.

وهنا تبدو إحدى أكثر أفكار الكتاب قابلية للنقاش: هل يساعدنا تفسير أسباب المشكلة، أم أن الأهم هو معرفة ما الذي يمكننا فعله الآن؟

هل أصبح الإنسان “روبوتًا”؟

يستخدم زيلاند تعبير “وضع الروبوت” لوصف حالة يرى أنها شائعة في الحياة اليومية.

فالإنسان قد يكرر ردود الفعل نفسها أمام المواقف نفسها، ويتمسك بعاداتٍ وأفكارٍ ومخاوف تشكلت لديه عبر سنوات، ثمَّ يعتقد أنه يتصرف بحرية، بينما هو في واقع الحال يعيد إنتاج النمط ذاته.

قد يغضب بالطريقة نفسها، ويخاف من الأشياء نفسها، ويبحث عن الاعتراف بالطريقة نفسها، ثم يكرر الوصول إلى النتائج نفسها.

ومن هنا يطرح الكتاب سؤالاً بسيطاً في صياغته، لكنه واسعٌ في دلالته:

هل أنا الذي أقود شخصيتي، أم أن شخصيتي تقودني؟

يسمي زيلاند هذه الشخصية بـ”الأفاتار”، أي الصورة التي يعمل الإنسان من خلالها داخل العالم: الجسد، الأفكار، العادات، الانفعالات وردود الأفعال.

لكن الكتاب يميز بين هذه الشخصية وبين ما يسميه “الوعي” أو “الروح“.

وهنا تنتقل الفكرة من التنمية الذاتية التقليدية إلى إطارٍ روحيٍّ وفلسفيٍ أكثر وضوحاً. فالإنسان، بحسب زيلاند، يستطيع أن يلاحظ شخصيته بدل أن يندمج معها بصورة كاملة.

أي أن ينتقل من: “أنا غاضب” إلى: “أنا ألاحظ أنني غاضب”.

الفارق بين الجملتين ليس لغوياً فحسب. ففي الحالة الثانية توجد مسافة بين الإنسان وبين انفعاله، وهذه المسافة تمنحه فرصةً للتفكير قبل الاستجابة.

وهذه الفكرة يمكن مناقشتها بعيداً عن الإطار الروحي الذي يضعها فيه زيلاند؛ فمجرد ملاحظة الانفعال قبل التصرف بناء عليه تفتح بالفعل مساحةً للتعامل معه بدل الانقياد الفوري له.

ماذا يحدث عندما نمنح أنفسنا لحظةً بين الحدث ورد الفعل؟

يطور زيلاند هذه الفكرة من خلال ما يسميه “حالة الروح” أو “وعي الروح”.

وفي تصوره، لا تعني هذه الحالة مجرد الهدوء أو الاسترخاء، وإنما تغيير موقع الوعي نفسه: بدل أن يكون الإنسان غارقاً بالكامل في أفكاره ومخاوفه وانفعالاته، يصبح قادراً على مراقبتها والتعامل معها من مسافة أبعد.

ويربط الكاتب ذلك بما يسميه “نقطة الصفر” أو “نقطة الروح”، وهي حالةٌ مرجعيةٌ يعود إليها الإنسان عندما يجد نفسه تحت ضغط الخوف أو الغضب أو الصراع.

لكن القيمة العملية لهذه الفكرة لا تتوقف بالضرورة على قبول تفسير زيلاند الروحي لها.

فالسؤال الذي تفرضه على القارئ هو: ماذا يحدث عندما نمنح أنفسنا لحظةً بين الحدث ورد الفعل؟

في تلك اللحظة القصيرة يمكن أن يتغير القرار، ليس لأن الحدث تغير، وإنما لأن الطريقة التي نستجيب بها له تغيرت.

وهنا ينتقل الكتاب من محاولة “تغيير الواقع” إلى محاولة تغيير العلاقة معه.

الحالة قبل النية

من الأفكار الأخرى التي يبني عليها زيلاند تصوره أن النية وحدها لا تكفي.

فالإنسان قد يقول إنه يريد النجاح، بينما يعيش في الوقت نفسه تحت ضغط الخوف من الفشل. وقد يرغب في علاقةٍ مستقرةٍ، لكنه يتصرف انطلاقاً من الخوف من الهجر. وقد يريد تغيير حياته، لكنه يتعامل مع كل خطوةٍ جديدةٍ باعتبارها تهديداً.

لذلك يركز زيلاند على “الحالة” التي ينطلق منها الإنسان لتحقيق ما يريد.

وهذه الفكرة، حتى خارج منظومة “الترانسيرفينغ”، تستحق التوقف عندها. فالهدف لا يعمل في فراغ؛ طريقة تعامل الإنسان معه تؤثر في قراراته وفي قدرته على الاستمرار.

لكن زيلاند يذهب أبعد من ذلك عندما يمنح “الحالة” دوراً أساسياً في الوصول إلى النتائج، وهنا تبدأ مساحة الاختلاف بين القراءة النفسية للفكرة وبين الإطار الفلسفي والروحي الذي يضعها فيه الكاتب.

“الأهمية”.. عندما يتحول الهدف إلى ضغط 

يعود زيلاند كذلك إلى مفهوم “الأهمية”، وهو من المفاهيم الأساسية في مشروعه السابق.

فكلما أصبحت نتيجة معينة مصيرية في ذهن الإنسان، زاد الضغط المرتبط بها. وقد يتحول الهدف من شيءٍ يرغب الإنسان في تحقيقه إلى شرطٍ لسعادته أو لقيمته الذاتية.

وهنا يمكن أن يتحول السعي نفسه إلى مصدرٍ للتوتر.

فالشخص الذي يعتقد أن حصوله على وظيفةٍ معينةٍ سيحدد قيمته، أو أن نجاح علاقةٍ معينةٍ سيحدد مستقبله بالكامل، لا يتعامل مع النتيجة كما يتعامل شخصٌ آخر يرى أنها مهمةٌ، لكنها ليست كل شيء.

لا يدعو زيلاند، وفق هذا التصور، إلى التخلي عن الأهداف، وإنما إلى تخفيف الشحنة النفسية المحيطة بها.

وهذه من الأفكار التي يمكن فصلها عن اللغة الخاصة بـ”الترانسيرفينغ” وقراءتها باعتبارها دعوة إلى عدم ربط قيمة الإنسان بنتيجةٍ واحدة.

“البندولات”.. ولماذا تستنزفنا بعض الصراعات؟

من المفاهيم التي انتقلت من “ترانسيرفينغ الواقع” إلى “ترانسيرفينغ الذات” مفهوم “البندولات”.

يستخدم زيلاند هذا المصطلح للإشارة إلى منظوماتٍ أو أفكارٍ أو صراعاتٍ تستحوذ على انتباه الإنسان وتدفعه إلى المشاركة فيها باستمرار.

وقد يكون ذلك صراعاً اجتماعياً، أو رغبةً في إثبات أننا على حق، أو خلافاً يتحول مع الوقت إلى جزء من هويتنا.

والمشكلة، وفق هذا التصور، ليست دائماً في وجود الصراع، وإنما في مقدار المساحة التي يحتلها داخل وعي الإنسان.

وهنا يقدم الكتاب سؤالاً يمكن أن يكون أكثر أهمية من محاولة الانتصار في كلِّ خلاف:

هل يستحق هذا الصراع كل هذا الانتباه؟

قد تكون الإجابة أحياناً نعم، لكن مجرد طرح السؤال يمنع الإنسان من التعامل مع كلِّ خلافٍ باعتباره معركةً يجب خوضها.

أين تنتهي التنمية الذاتية وتبدأ الادعاءات الروحية؟

ربما هنا تكمن أكثر النقاط التي تحتاج إلى قراءةٍ نقديةٍ في الكتاب.

فـ”ترانسيرفينغ الذات” لا يكتفي بالحديث عن الانتباه والعادات والاستجابة النفسية، بل يدخل في مفاهيم مثل الروح والطاقة والتجدد الجسدي، ويتناول أيضاً موضوعات مرتبطة بالتغذية والحركة والدماغ، كما تتضمن مادته التعريفية إشارات إلى إيقاظ الحمض النووي والتجدد بدل التدهور والشيخوخة.

وهذه الأفكار ليست كلها في المستوى نفسه من حيث طبيعتها أو إمكانية دراستها التحقق منها.

يمكن للقارئ أن يجد قيمة في فكرة مراقبة الذات أو تخفيف التعلق بالنتائج، دون أن يعني ذلك بالضرورة قبول التصورات الروحية أو الجسدية التي يطرحها زيلاند بوصفها تفسيراً للواقع.

وهنا تصبح القراءة النقدية أكثر أهميةً من القبول الكامل أو الرفض الكامل.

فالكتاب يمكن أن يكون مادة للتأمل في علاقتنا بأنفسنا، لكنه لا يجعل كل افتراضاته حقيقة علمية لمجرد أنها وردت ضمن منظومةٍ واحدة.

إذًا هل يتغير الواقع عندما تتغير علاقتنا بأنفسنا؟

في النهاية، يبدو أن السؤال الأهم في “ترانسيرفينغ الذات” ليس كيف نحصل على ما نريد، وإنما: من الذي يريد؟

إذا كان الإنسان لا ينتبه إلى مخاوفه وعاداته وأنماط استجابته، فقد يقضي سنواتٍ وهو يحاول تغيير الظروف، بينما يعيد إنتاج السلوك نفسه الذي يقوده إلى النتائجِ ذاتها.

أما إذا بدأ بمراقبةِ نفسه، والانتباهِ إلى حالته، وفصلِ الحدث عن رد فعله، فقد تتغير طريقة تعامله مع الواقع حتى لو لم يتغير الواقع نفسه.

وهنا يمكن إعادة قراءة مشروع زيلاند من زاويةٍ أكثر واقعية: ربما لا تكون المسألة في امتلاك القدرة على “التحكم بالواقع” كما توحي بعض صياغات “الترانسيرفينغ”، وإنما في استعادة جزءٍ من السيطرة على الشيء الأقرب إلينا: طريقة رؤيتنا للواقع واستجابتنا له.

وهذا لا يعني أن الإنسان مسؤولٌ عن كلِّ ما يحدث له، ولا أن تغيير الذات قادرٌ وحده على تغيير العالم الخارجي. فالظروف، والآخرون، والصدف، والحدود الاجتماعية والمادية، كلها عواملَ حقيقيةٍ لا يمكن اختزالها في وعي الفرد.

لكن بين الحدث والاستجابة توجد مساحة.

وربما تكون قيمة “ترانسيرفينغ الذات” بالنسبة إلى القارئ، بعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع منظومته الروحية، في دفعه إلى النظر في هذه المساحة تحديداً ليسأل نفسه:

هل أعيش حياتي باختياراتٍ واعية، أم أنني أكرر نفسي ثمَّ أبحث عن الآخرين والظروف لأحمّلهم تفسير النتائج؟

في هذه النقطة تحديداً، ينتقل الكتاب من مجرد الحديث عن تغيير الواقع إلى سؤالٍ أكثر صعوبة: هل نعرف فعلاً من الذي يمسك بمقود حياتنا؟

الرابط المختصر :