محمد السليم.. رائد الآفاقية من أحلام الصحراء إلى العالمية

محمد السليم.. رائد "الآفاقية" الذي رسم أحلام الصحراء وانطلق بها نحو العالمية
محمد السليم.. رائد "الآفاقية" الذي رسم أحلام الصحراء وانطلق بها نحو العالمية

نادرًا ما تجد في تاريخ الفن الحديث قصة تشبه في دراميتها وعمقها مسيرة الفنان السعودي الراحل محمد السليم (1939-1997)؛ تلك المسيرة التي بدأت من قفر الصحراء في قرية “مرات” وانتهت بتأسيس مدرسة فنية عالمية الهوى. سعودية الجذور. هو الرجل الذي لم يكتفِ برسم اللوحات، بل رسم ملامح الحداثة التشكيلية في المملكة.

من وحي الرعي إلى أضواء إيطاليا

لم تكن طفولة السليم مفروشة بالورود؛ فبينما كان والده غائبًا في رحلات صيد اللؤلؤ، كان الصبي ابن التاسعة يرعى الأغنام ليؤمن قوت أسرته. لكن تلك الفلوات لم تكن مجرد مرعى، بل كانت مرسمه الأول، حيث تأمل في انحناءات الكثبان وتدرجات ألوان الغروب، ليتشكل لديه وعي بصري مبكر سيفجر طاقاته الإبداعية لاحقاً.

بعد سنوات من العمل كمعلم، قادته موهبته الفذة إلى إيطاليا عام 1970، ليدرس الفنون الجميلة في فلورنسا. هناك، احتك بالتيارات الأوروبية كالتكعيب والتجريد، لكنه لم يذب فيها، بل طوعها لخدمة هويته المحلية، عائدًا إلى وطنه برؤية عالمية بروح نجدية خالصة.

محمد السليم.. رائد “الآفاقية” الذي رسم أحلام الصحراء وانطلق بها نحو العالمية

الآفاقية.. فلسفة الامتداد والضوء

ابتكر السليم أسلوبه الفني الخاص الذي أسماه “الآفاقية”، وهو مذهب مستوحى من الخطوط الأفقية اللامتناهية في الصحراء ومنظر المباني في مدينة الرياض. كان يؤمن أن الصحراء ليست فراغ، بل هي امتداد بصري وفلسفي. من خلال هذا الأسلوب. استطاع السليم أن يحول “الحرف العربي” و”الخيمة” و”النخلة” إلى عناصر تجريدية حديثة تخاطب ذائقة العالم دون أن تفقد أصالتها.

دار الفنون.. الحلم والمأساة

بحسب “daralfnoon” في عام 1979، أسس السليم “دار الفنون السعودية“، كأول مؤسسة فنية مستقلة في المملكة. كانت الدار حاضنة للجيل الصاعد ومكان لالتقاء المبدعين. لم يكن السليم فنان أناني؛ بل أنفق ثروته الخاصة واقترض من البنوك لتنفيذ مجسمات جمالية لتزيين مدينة الرياض. ومن أشهرها مجسم مطار الرياض القديم.

لكن طريق الرواد دائمًا ما يكون شائكًا؛ فقد واجه السليم تحديات مادية قاسية وصعوبات في فهم المجتمع للفن التشكيلي آنذاك. ما أدى في النهاية إلى إفلاس مؤسسته وفقدان بعض لوحاته النادرة لسنوات، قبل أن تنجح ابنته الفنانة “نجلاء” في استعادتها من مزادات عالمية مثل “كريستيز” لتكرم ذكرى والدها.

محمد السليم.. رائد “الآفاقية” الذي رسم أحلام الصحراء وانطلق بها نحو العالمية

إرث لا يغيب

رحل محمد السليم عام 1997، تاركًا وراءه أكثر من مجرد لوحات؛ لقد ترك “منهجًا” و”مدرسة”. كان يؤمن أن الفن هو لغة عالمية تتجاوز الحواجز الثقافية”. وأن الفنان هو من يرى ما لا يراه الآخرون. اليوم. تظل أعماله المحفوظة في الأرشيف الدائم لدار الفنون شاهدًا على رجل آمن بالجمال في وقت كان فيه الجمال ترف غير مفهوم.

الرابط المختصر :