طريق السعادة

طريق السعادة
صبحة بغورة

من المفارقات العجيبة أن كل كائن بشري على وجه الأرض يسعى نحو طريق السعادة، عن طريق تحقيق الظروف والعوامل التي تجعله سعيدًا. ومع ذلك نادرًا ما نجد اثنين يتفقان على ماهية هذه السعادة.

كتبت صبحة بغورة

فالاختلاف حول طريق السعادة قائم حتى بين أفراد الطبقة الاجتماعية الواحدة. مع أن تشابه مستواهم المعيشي والثقافي، وتعرضهم لنفس الضغوط الحياتية ومواجهتهم للمشاكل ذاتها. قد يفترض أن يوحِّد رؤيتهم تجاه السعادة التي ينشدونها.

وتتعمق هذه المفارقة حين يحدّثك إنسان ابتسمت له الحياة منذ طفولته عن معنى السعادة. فتجدها عنده أبسط وأقل سقفًا من أماني إنسان آخر ذاق من عذاب الدنيا صنوفًا وألوانًا.

الاتفاق البديهي بين مختلف الأجناس أن السعادة هدف منشود، لأنها تجلب الرضا إلى النفس. فمجرد الشعور بالرضا عن الذات والمحيط القريب شعور رائع يستحق السعي خلفه.

إلا أن طبيعة الوسيلة التي تجلب هذا الرضا، أو الهدف النهائي الذي يحقق هذا الشعور. تختلف من فرد لآخر بحسب زاويته في النظر إلى الحياة. وكُنه وجوده فيها. فمَن يرى أن الدنيا خلقت للإنسان يجد متعته في الاجتهاد، لتحصيل ما أمكن من نعمها، من مال وبنين، وحقوق وقصور، سواء من الطيب الحلال أو من الخبيث الحرام.

في حين أن من يعتقد أن الدنيا دار فناء، وأن الآخرة دار بقاء، يتعامل مع مصاعب الحياة بمنطق إيماني بحت. يرى في البلاء اختبارًا، وفي الصبر عليه سبيلًا إلى الأجر والثواب. فتراه يزهد في متاع الدنيا، ويجد سعادته في العطاء وإسعاد الآخرين.

وبين هذين النموذجين، أحدهما غرق في التعلق بزينة الحياة ومباهجها، والآخر زهد فيها وتناسى نصيبه منها. يظهر فريق ثالث أحسن الموازنة، أدرك هذا الفريق أسرار الوجود واستشعر دوره في إعمار الأرض، فربط سعادته بالنجاح المهني والاكتشاف. مما زاده إيمانًا بعظمة الخالق. ومن هؤلاء مَن يعيش سعادة غامرة، بعدما بلغه اليقين.

ولا شك أن السعادة تعبَّر عنها غالبًا بالابتهاج والسرور، فمن الصعب أن نصف شخصًا مفعمًا بمشاعر الفرح بأنه تعيس. ويجمع كثيرون على أن الانفعالات البهيجة تظهر عندما يتمكن الإنسان من إشباع احتياجاته المادية والروحية، ويحقق أهدافه.

ولعل السعادة تشبه برجًا شامخًا، لا تُبلغ قمته إلا بالعمل والصبر والإرادة. وهذا مرتبط بقدرات الفرد الذاتية، وتجربته وخبراته، ومستواه الثقافي، ومعامل ذكائه الاجتماعي، إذ تشكّل هذه العناصر بمجموعها ما يشبه “عدة الحياة”، تمكّنه من المضي في دروبها بأقل الأخطاء وأدنى الخسائر وأعظم النجاحات، التي تجلب له السعادة وتنعكس على الآخرين.

ومن الصعب أن يكون الإنسان سعيدًا وهو يعيش في عزلة. فما قيمة السعادة إن لم يتقاسمها مع الأهل والأصدقاء والأحباب؟ وما جدواها إن لم يقدم بها خدمة لمجتمعه ووطنه؟ فبغير ذلك تفقد السعادة سرها كنبع فياض من الحب والسمو والنقاء. يتجاوز حدود الأنانية والتمركز حول الذات. والسعادة الحقيقية لا تكمن في مجرد الحب لمن يستحقه، بل في أن يقدِّر الطرف الآخر هذا الحب، ويبادله ذات المشاعر، ويخصه بما لا يخص سواه.

منذ أقدم العصور وحتى عصر الإنترنت، لم يكف الإنسان عن البحث عما يجلب له السعادة، ويحقق له متعة العيش، ويسهل عليه معاشه. لم تهدأ عزيمته، ولم تفتر روحه، في سعيه نحو الهناء.

السعادة التي نبحث عنها في حياتنا هي من صنع أيدينا، نرسم ملامحها، ونلونها بعطر الكلمات، وصدق الأحاسيس، ونسقيها بالإخلاص والتفاني. غير أن السعادة في الحياة الزوجية، في هذا العصر الرقمي والتكنولوجي، باتت مهددة بزحف الملل، والاضطراب، والأمراض المزمنة، وباتت الأسرة، الخلية الأولى في المجتمع، تواجه خطر المسخ والتفكك والانهيار.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبقى الزوجة الورقة الرابحة؛ فاهتمامها بجمالها، وحرصها على زوجها، واحترامها لنفسها، كل ذلك يشكل بلسمًا يضفي على الحياة الزوجية نعومة واستقرارًا. فالحفاظ على المشاعر الإنسانية المتبادلة بين الزوجين هو من أعمدة السعادة، والابتسامة بوصلة إلى راحة النفس، وهناء البال، واطمئنان القلب.

في هذه الحياة محطات محنة، وصراع، ويأس، تقسو فيها القلوب وتضطرب النفوس، ولا شفاء من ذلك كله إلا بالإيمان، الذي هو بحق سر سعادة الإنسان. فالإيمان حياة للقلوب، وصحة للأبدان، وطوق نجاة، يورث الأمن والسلام، ويغرس الطمأنينة في النفوس. هو دواء لكل داء إنساني، والصبر طريق إلى محبة الله ورضوانه، والرضا باب من أبواب السعادة، والدنيا مزرعة الآخرة.

لكن، ترى: هل من حقنا تحقيق السعادة مع كمال العقل؟ يقال إن الفلاسفة هم أكثر الناس شقاء. كما هم أكثرهم بحثًا عن السعادة. وفي هذا القول ما يشير إلى أن مصدر الشقاء هو العقل، وكأن السعادة في فقده. ولعلنا نلمس هذا المعنى في بيت المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فهل صحيح أن فاقد العقل في نعيم؟ نعلم أن من فقد عقله رفع عنه القلم، فلا مسؤولية عليه، لكن هل تعد تلك سعادة؟ أم مجرد غياب للوعي عن الواقع؟ السعادة، في حقيقتها، مطلب إنساني نبيل، يحتاج إلى تخطيط محكم وتنفيذ دقيق، وهما لا يقومان إلا على العقل. ومن الظلم للعقل وللسعادة على السواء، أن نصطنع بينهما عداوة، أو نعدّهما نقيضين لا يجتمعان.

السعادة تبقى غاية العقلاء. فيما قال الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي: “حسبك من السعادة في الدنيا ضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف”.
وقال ويليام جيمس: “أتصرف كأنني سعيد، فتأتيني السعادة، وأتصرف كأنني شجاع، فتأتيني الشجاعة”.

وأختم فضفضتي هذه بحكاية من حكايات السعادة: أغضب رجلٌ زوجته فقال مهددًا: “لأشقينك!”، فقالت في هدوء: “لا تستطيع أن تشقيني كما لا تملك أن تسعدني”. قال: “وكيف لا أستطيع؟” قالت: “لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني، أو في حليٍّ لحرمتني منها، لكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعين”.
قال في دهشة: “وما هو؟”
قالت في يقين: “إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.”

هل ترغب في عنوان بديل يتماشى مع هذه الصياغة الجديدة؟

الرابط المختصر :