الخيال البصري والفانتازيا كأداة إبداعية للسينما الأمريكية

عالم الخيال أو الفانتازيا هو فضاء ساحر زاخر بالدهشة، تعيش فيه شخصيات خارقة للعادة، تحلّق في السماء، وتتبدل هيئاتها في لحظات مفاجئة، وتصنع العجائب التي تأسر القلوب وتشد الأبصار. ويعدّ فن الفانتازيا من أقدم أشكال الإبداع الإنساني، إذ ارتبط بطفولة البشرية الأولى، فتنوع أبطاله بين البشر والحيوانات والمخلوقات الأسطورية، وتدور أحداثه غالبًا في عوالم تتجاوز حدود الواقع، وإن انطلقت أحيانًا من أرضه.

ومن خلال هذا العالم الخيالي، استطاعت السينما الأمريكية أن تجسّد عشرات الحكايات الأدبية الموجّهة للأطفال، بدءًا من قصص “ألف ليلة وليلة” وصولًا إلى روايات الخيال العلمي. فقد نجحت في تحويل الخيال إلى صورة مرئية نابضة بالحياة، مانحة الطفل فرصة مشاهدة ما كان حبيس الأحلام، سواء عبر أفلام الرسوم المتحركة أو الأعمال السينمائية التي يؤدي أدوارها ممثلون من البشر، في تجربة ترفيهية ثرية وممتعة.

الطفل وعالم الخيال

تؤكد الدراسات التربوية أن قصص الخيال للأطفال لها أثر كبير في جعل مخيلة الطفل فعالة وغنية، وأن هذا الخيال يظل ملازمًا للطفل في مراحل نموه، ويساعده إيمانه بوجود هذا العالم الخيالي الافتراضي على النمو بشكل صحي. حيث يسمح لخياله بالانطلاق بلا قيود. ولذلك فمعظم قصص الأطفال تدور في عالم الخيال والمغامرات الغريبة.

وأكدت الدراسات التي قام بها خبراء علم نفس النمو أن الأطفال الذين يحرمون في سنوات الطفولة المبكرة من متعة التحليق بخيالهم. هم الأكثر عرضة للأمراض النفسية، وقد يجنح بعضهم إلى التورط في عالم الجريمة عندما يصلون إلى مرحلة الشباب.

ولكي يكون عالم الخيال مقنعًا للطفل، لا بد أن يتضمن شخصية إنسانية يتأثر بها ويتعاطف معها. ويتضمن أيضًا مؤثرات أخلاقية وبطولية، في خضم أحداثها تجسم للصغار مخلوقات إنسانية مختلفة تقوم بأعمال بطولية. بحيث يكون بطل القصة مثلًا أعلى للطفل، يتمنى أن يكون مثله في أداء تلك المهام والبطولات والسلوكيات الحميدة. في التعامل مع الآخرين في عالم المستقبل، وفي قدرته على إثارة الدهشة والخيال وبث الأفكار الرائعة مثل حب الوطن والصداقة، ومساعدة الآخرين والانتصار للخير، ومضار الكذب والاحتيال على الآخرين.

مرحلة البدايات

دأبت السينما الأمريكية ممثلة في شركة والت ديزني على تقديم نماذج عديدة من الأفلام الكرتونية وغير الكرتونية المحبية والمشوقة للطفل. الذي يخوض مغامرة في عالم خيالي ليكتسب في النهاية قيما فاضلة. كالحكمة والصدق والشجاعة، وتجعله في نفس الوقت يسبح في عالم الخيال. بما يحويه من سحر وجمال وإبداع.

واستمرت هذه الموجة من الأفلام في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وإن اعتمدت على مصادر أدبية مثل “كنز أيسلندا” سنة 1950. ديفيد الطفل الذي يحاول كشف مؤامرة فضائية ضد سكان الأرض يقوم بها غزاة من المريخ عام.

“ماري بوبنز” عام 1964 وهو مأخوذ عن عمل أدبي كتب خصوصًا للأطفال، “ويلي ونكا ومصنع الشوكولاتة”، الذي أنتج عام 1971م . وهو مأخوذ من كتاب الأطفال “تشارلي ومصنع الشوكولاتة” للمؤلف البريطاني “رونالد دال”.

ولقد حققت هذه النوعية من الأفلام نجاحًا كبيرًا، وإن امتزجت فيها الطفولة بالحياة العائلية. وحوت قيمًا واضحة، وشكلت ألوانًا من البهجة والسعادة والخيال المحبب القلوب الأطفال. وإن جاءت بعض أحداثها درامية.

بين المخلوق الفضائي والقزم ويللو

خلال عقد الثمانينيات، أخذ عالم الخيال يطل برأسه من جديد، وسط موجة أفلام الرعب والعنف. التي بلغت ذروتها في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، وما زالت مستمرة إلى الآن.

وتكمن خطورتها في أنها مقدمة للأطفال، وأن الذين يقومون بهذا العنف هم الأطفال أنفسهم، ووسط هذا السيل الجارف من أفلام الرعب. بدأت سينما الخيال والفانتازيا بالبحث عن صيغة أو تركيبة جديدة، تكون مشوقة للأطفال. وتحظى بقبول الكبار الذين يصطحبون الأطفال معهم إلى السينما. وكان التجربة بفيلم إي تي “the Extra- Terrestrial” إنتاج عام  1982 للمخرج العبقري “ستيفن سبيلبرج”.

إن البراعة الفنية وأجواء الفانتازيا، التي قدمت بها حكاية هذا الفيلم، جعلت من هذا المخلوق الفضائي أسطورة عالمية. تحدثت عنها الصحف، وتحولت الأسطورة إلى دمية وملصق وقميص وكتاب وقلم. تنافست المؤسسات التجارية في التعلق بها لترويج مبيعاته.

وفي عام 1988، كان “فيلم القزم ويللو” الذي كتب قصته “جورج لوكاس” مخرج فيلم حرب الكواكب. حيث عاد خلال هذا الفيلم إلى الحكايات القديمة التي توارثتها الأمهات والأجداد عن الصراع بين الخير والشر.

ما زال للفنتازيا سحرها

وتستمر موجة أفلام الخيال الموجهة للطفل في السينما الأمريكية، ونتوقف أمام فيلمين ظهرا في السنوات الأخيرة. في السينما الأخيرة في السينما الأمريكية.

الفيلم الأول “كيف تروض تنينك” وهو فيلم كرتوني، تدور أحداثه في قبيلة توارث أفرادها عن أجدادهم مخطوطات جلدية. تؤكد أن كل أنواع التنانين شديدة الخطورة، ويجب قتلها بلا رحمة، بمجرد ظهورها، ليقابلنا الفتى هيكاب ابن رئيس القبيلة، الذي يطلب منه، مثل أي فتى في القبيلة، أن يقتل تنينًا، حتى يثبت لأبيه أنه صار رجلا يعتمد عليه. لتأخذ الأحداث منحى آخر أين يجد الجميع أنفسهم أمام حقيقة أن التنانين يمكن ترويضها. وإعطاؤها الأمان بواسطة هيكاب ورفاقه.

الفيلم قدم قدرًا هائلًا من المتعة والتشويق للصغار، كما حقق أيضًا مقولة أن الإنسان عدو ما يجهل. وأن معرفة الخصم تؤدي إلى فهمه. والفهم يؤدي إلى الاستيعاب وإلي إيجاد وسيلة للتفاهم، والحوار البناء، بين الأجناس المختلفة.

أما الفيلم الآخر الذي نتوقف معه فهو فيلم “جني الأسنان” الذي أنتج عام 2010، وهو من بطولة دواين جونسون الشهير ب “ذا روك”. حكاية جني الأسنان، كما ترويها الحكايات الشعبية في أمريكا. وبعض الدول الأوروبية أن الطفل عندما تسقط من فمه سنه، يمكن أن يضعها تحت وسادته.

ويأتي جني خاص، يأخذ تلك السن، ويعوض الطفل بدلًا منها ببعض الهدايا، وشخصية جني الأسنان تشبه بابا نويل. الذي يعشقه الأطفال؛ لأنه يقدم لهم الهدايا، ويحقق أحلامهم في ليلة رأس السنة. وطبعًا يقوم الآباء بوضع الهدايا لأبنائهم، ويقنعونهم أن بابا نويل هو من وضعها لهم. ويسبح بنا الفيلم في عالم الجان عبر المغامرات الخيالية المشوقة والمحببة للأطفال. ويرسخ لدينا أن عالم الخيال يمكن أن ينقذ الإنسان من الاضطرابات النفسية.

الرابط المختصر :