يعد التدليل المفرط للأبناء أحد أخطر الأسباب التي تؤدي إلى صناعة “عالة” على الأسرة والمجتمع. فبينما يعتبر الكثير من الآباء الحركة الزائدة عند الأطفال حالة “شقاوة” طبيعية. فإنها يمكن أن تكون ناتجة من التدليل المفرط.
كتبت صبحة بغورة
توجد الكثير من العائلات التي تعاني من هذه المشكلة في حيرة من أمرها. خاصة في مسألة التفريق بين السلوك الطبيعي وغير الطبيعي. إذ إن اختلاف أساليب تربية الأطفال، وطبيعة التعامل مع متطلباتهم، يعود إلى اختلاف شخصية الأهل وثقافتهم. فمنهم من يفرط في حماية أطفاله وفي تدليلهم. كما يحرص أشد الحرص على تنفيذ طلباتهم دون تردد، وتلبية رغباتهم دون أي شرط.
وهؤلاء الآباء يجهلون العواقب الوخيمة لهذا السلوك. الذي قد يجعل من هؤلاء الأطفال رجالا ونساء غير ملتزمين، ولا مؤهلين لتحمل المسؤولية مستقبلًا.
التدليل المفرط يخلق شخصية اتكالية
هذه إحدى الأمهات تعترف بأنها لم تكن تدري أن التدليل المفرط لابنها الوحيد، صنع منه شخصية اتكالية. كما أوضحت أنها تسارع دائمًا إلى تلبية طلباته دون أن تكلفه بذل أي جهد. وكذلك تحرص على تجنيبه أي عناء. بينما اعتادت أيضا على خدمته بنفسها، وتحضير كل ما يريده.
وأوضحت الأم أنها لم تكن تدرك أنها بسلوكها هذا ستجعله شخصًا غير قادر على خدمة نفسه، وأنها سبب في فشله.
في حين تقر أم أخرى بشجاعة أنها لم تأخذ بعين الاعتبار أبدًا خطورة أن يكون اهتمامها بابنها سلبي عليه، وأن عدم تعليمه الاعتماد على نفسه قد يكون يومًا السبب في جعله إنسانًا عاجزا عن مساعدة نفسه، في أبسط الأمور، وأن يكون هذا ما أثّر على مستواه التحصيلي، وعلى مواصلة دراسته.
شعور عميق بالندم
بينما أقرت بعض الأمهات بخطأ التدليل المفرط لأبنائهم، عبّر بعض الآباء عن شعور عميق بالندم لديهم. ومنهم هذا الآب الأربعيني، الذي قال إنه من عوّد ابنه منذ صغره على أن أباه وأمه هما من يلبّيان له طلباته.
وعلاوة على ذلك لم يترك هذا الأب ابنه يحتاج إلى أبسط الأمور، حتى أصبح لا يشعر بالمسؤولية في أي شيء. كما لا يتمتع بأي قدرة أو يملك أي استعداد لفعل أي شيء مهما كان بسيطًا. بل هو يفضل قضاء الساعات الطويلة أمام شاشة التلفاز. فيما يعجز عن إحضار كوب ماء لنفسه أو لأحد والديه، عندما يكونان في حالة مرض.
في حين يحمّل الأب وزوجته نفسيهما مسؤولية ما حلّ بابنهما جراء التدليل المفرط. أما عندما حاولا إصلاح ما أفسداه فلم يتمكنا، حيث أدت كل محاولة منهما لإجباره على القيام بواجبه إلى إثارة رد فعل عنيف منه. مما وصل إلى حد تكسير ما يصادفه.
التدليل المفرط يقود إلى ساحات القضاء
فيما بلغ الأمر عند بعض العائلات إلى نتائج خطيرة، ووصل إلى أروقة القضاء. بعدما أقدم أحد المراهقين على جرح ساق أمه، وتبين من حيثيات القضية أن المراهق المتهم كان مدللًا من والديه، ليتحول إلى مسيطر على المنزل، ويريد أن تكون كل مطالبه أوامر، وبعدما رفضت أمه ذلك، أقدم على طعنها.
التربية تدريب وتأديب
التربية هي عبارة عن تدريب وتأديب وتهذيب يتلقاه الطفل من والديه منذ المراحل الأولى. فيما يكتسب منهما السلوك، والأخلاق، والعادات، وطريقة التعامل. كما يتعلم منهما ضرورة إجادة التفريق بين السهل الممكن، والصعب المستحيل.
كما أنه من الثابت والبديهي في هذه القضية أن تساهل الوالدين مع طفلهما، واستسلامهما لرغباته، ثم لضغوطه. ومن ثم عدم تمييزهما بين الاحتياجات الأساسية والضرورية، وبين رغباته الشخصية، كلها أمور تفسده، وتغرس فيه حب الذات والأنانية.
كما ينمي التدليل المفرط في نفس الطفل حب الامتلاك، فلا يهتم سوى بتلبية رغباته، وإلّا فإن الصياح المستمر والصراخ العالي، هو سلاحه المفضل.
والمؤكد أن الأمر لا يقتصر على هذا فقط، فالتدليل المفرط يسلب الطفل الإحساس بالمسؤولية، وحب المشاركة في العمل. كما يفقده العديد من المهارات، وعلى رأسها كيفية الاعتماد على النفس. إذ إن التدليل يدفعه إلى الاتكال على غيره.
المشكلة تنمو بمرور الزمن
فيما تنمو هذه المشكلة تنمو مع نمو الطفل، لتزداد سوءًا مع تقدم مراحل عمره، فهو في المدرسة لا يستطيع أن يتخذ قرارًا، أو يبدي رأيًا، في وسطه الطفولي بمفرده.
كما يرفض أن يشاركه أحد من زملائه في اللعب، وهو غير متوافق مع أقرانه، وعديم التعاطف معهم. بينما يرفض أيضا أن يكون خاسرًا أو أن يوبّخه أحد على سلوكه السيئ.
وفي النهاية يبقى وحيدًا غير محبوب من الصغار والكبار، ومن أبرز صفاته كثرة طلباته غير المقبولة من الآخرين، وأنه دائم الشكوى والتململ والاحتجاج.
في حين يتشدد الطفل المدلل في فرض رأيه، ولا يحترم حقوق الآخرين، ويكون شديد الغضب، وسريع البكاء دون مبرر. كما أنه لا يتحمل الضغوط، ولا يحب المنافسة، فإنه خلال مروره بمرحلة المراهقة، سيكون استعداده للانحلال السلوكي، والانحراف الأخلاقي أكبر. وإذا استمرت تلبية كل طلباته المادية المتزايدة بدون رقابة ولا حساب، فقد يقع في فخ أصدقاء السوء، ويتجه إلى تعاطي المخدرات.
إذن يمكننا أن نقف على حقيقة أن الإفراط في التدليل والاهتمام الزائد يضعف شخصية الأطفال. وهذا انعكاس عملي مباشر لعدم قدرة الوالدين على التفريق في مطالب الطفل، بين حاجاته الأساسية ورغباته المبالغ فيها، وتكون النتيجة أن لا يتبع الطفل المدلّل قواعد التهذيب، ولا يحسن الاستماع إلى توجيهات الأهل، ولا يحترم والديه.


















