غزوة الخندق.. ملحمة الصبر ووحدة المسلمين في مواجهة الأحزاب

خرج نفر من بني النضير ونفر من بني وائل فقدموا على قريش ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم. وصار وفد اليهود يزين لقريش الحرب ويهون أمرها وقالوا لهم “إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله” .

فقالت لهم قريش : “يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه”.
 
وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بالجبتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ للَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا أولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَن الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا” سورة النساء، آية 51. فلما قال اليهود ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
واستقر الرأي على البقاء بالمدينة والتحصن بها لأن الالتحام مع هذه الجيوش الضخمة في ساحة مكشوفة غير مأمون العاقبة. وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل.

حفر الخندق واستعداد المسلمين للمواجهة 

وقد أشار سليمان الفارسي بضرب الخندق على المدينة وكانت خطة حربية متبعة عند الفرس وقبل رسول الله رأيه. فأمر بحفر الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو . وذكر أن المهاجرين يوم الخندق قالوا سلمان منا وقالت الأنصار سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “سلمان منا أهل البيت”.
 
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق بين أصحابه لكل عشرة منهم أربعين ذراعا. وعمل رسول الله في حفر الخندق ترغيبًا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه وأبطا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون إلى أهاليهم بغير علم رسول الله ولا إذنه. وفيهم نزل قول الله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَئذِنُوهُ” إلى قوله تعالى: “وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الله إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم” – سورة النور، آية 62.
 
وأقبل جيش الأحزاب حتى نزل أمام المدينة في عشرة آلاف، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ثلاثة آلاف. وبينهم وبين القوم الخندق وأمر الرسول صلى الله عليه و سلم بالذراري والنساء. فجعلوا في الاطام (الحصون) البعيدة ليكونوا بمأمن إذا ركب العدو رأسه واستباح المدينة. وأسند المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع ورابطوا على جانب الخندق. 

حيرة الأحزاب ونقض بني قريظة للعهد في غزوة الخندق

ورأت جموع المشركين الخندق فاعترتهم الدهشة وداخلهم الاضطراب لعدم معرفتهم بوسائل القتال أمام الخنادق. ولم يكونوا يتوقعون هذا النوع من الدفاع المجهول لديهم. وبلغ منهم الغيظ أن زعموا أن الاحتماء وراء الخندق جبنٌ لا عهد للعرب به وقالوا : “إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها”.
 
وظل المشركون يدورون حول المدينة وهم في غضب شديد يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها عسى أن ينالوا من المسلمين شيئًا. وعرف المسلمون ما يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب.
 
في هذه الآونة العصيبة جاءت الأخبار أن يهود بني قريظة نقضوا معاهدتهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم. وانضموا إلى كتائب الأحزاب التي تحدق بالمدينة. وزاد من خطورة الموقف الخوف من أن يغتنم هذه الفرصة زعيم المنافقين عبد الله بن أبي ذلك المنافق. الذي انسحب يوم أحد بثلث الناس من صفوف المسلمين.
 
وفي ليلة السبت من شوال سنة خمس قرر أبو سفيان القيام بهجومه الكبير فأرسل إلى بني قريظة ليستعدوا معه للقتال. فجاءهم الجواب متخاذلًا بأنهم لا يستطيعون قتالًا يوم السبت. ثم طلبوا منهم رهنًا من رجالهم فتحقق لقريش وغطفان صدق ما حدثهم به نعيم بن مسعود. وامتنعوا عن تحقيق مطالبهم كما تحقق لليهود صدق حديثه كذلك. وهكذا تفرق الشمل وتفتت الوحدة ودب الخلاف وتوقف الهجوم وانتصر المسلمون.
الرابط المختصر :